يسوع مخلصي


انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

يسوع مخلصي
يسوع مخلصي
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
يسوع مخلصي

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

آلام المسيح, رؤية شاهد عيان

انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 4 من اصل 6]

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير


الفصل التاسع والثلاثون
الحكم على يسوع بالصلب

بيلاطس، الذي لم يرد أَنْ يَعْرفَ الحقيقة، بل كَانَ حريصاً فقط أَنْ يَخْرجَ من المأزق بدون مشاكل، صار متردداً أكثرَ من ذى قبل؛ هَمسَ ضميره داخله : " أن يسوع برئُ " قالتْ له زوجته " إنه قدّيسُ " مشاعره المؤمنة بالخرافات جَعلته يَخَافُ من أنّ يكون يسوع فعلا عدواً لآلهته؛ وجبنه مَلأه بالُخوفِ لئلا يُنتقم يسوع لنفسه إن كان هو فعلا الرب. لقد كَانَ غاضَباً ومنتبّهَ لكلمات يسوع الأخيرةِ، وحاول مرة أخرى إطلاق سراحه؛ لكن اليهودَ هَدّدوه فى الحال إنهم سيتّهمونهِ أمام الإمبراطورِ. هذا التّهديد أفزعه، وقرر أن يذعن لرغباتهم، مع أنه مقتنعَ ببراءةِ يسوع بقوة، وواعيا تماماً أنه بنطق عقوبة الموتِ علي يسوع فإنه يَنتهكَ كل قوانينِ العدالةِ، هذا بالإضافة إلى نْكثُه بوعده الذى وعد به زوجته هذا الصّباحِ. وهكذا ضحى بيسوع، وسْعي إلى أن يرضى ضميره بغَسْلِ يديه أمام الشعب قائلا " إنى بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هَذَا الْبَارِّ. فَانْظُرُوا أَنْتُمْ فِي الأَمْرِ!. " عبثاً تُعلنُ هذه الكَلِماتِ يا بيلاطس, لأن دمه على رأسك أيضاً؛ أنك لا تستطيع أن تغسلَ دماه لا عن نفسك، ولا عن يديك
ما أن تَوقّفَت تلك الكَلِماتِ المخيفةِ : " دمه علينا وعلى أولادنا " عن أن تَدوّي، حتى شرع بيلاطس فى إعداد حكم الموت. طَلبَ الرداء الذي يرتديه فى المناسباتِ الرسمية، وَضعَ تاجاً مرصع بمجموعة من الأحجار الكريمةِ على رأسه، غَيّرَ عباءته وجعل عصا أمامه. لقد كان مُحاطَاً بجنودِ وضبّاطِ المحكمةِ، وبعض الكتّبِة، الذين حَملواَ رقائق الكتابةِ وكتبِ تستعملَ لكِتابَةِ الأسماءِ والتواريخِ. سار رجلُ إلى الأمام وكان يحَملَ بوقاً. تقدَّم‏ الموكبُ بهذا الترتيب من قصرِ بيلاطس إِلى الساحةِ، حيث يوجد مقعد مرتفع، يُستعمل فى هذه المناسباتِ الخاصةِ، موُضِوعَ قبالة العمود حيث جُلِدَ يسوع. هذه المحكمةِ تُدعِي جَبَّاثَا؛ أنها شرفة واسعةِ مستديرةِ، يُصَعدَ إليها بدرج؛ يوجد بها مقعدَ لبيلاطس، وخلف هذا المقعدِ منصة، ويصطف عددَ من الجنودِ حول الشرفة وكذلك على الدرج. غادر عديد من الفريسيون القصر ومضوا إلى الهيكلِ، وتبع حنان وقيافا وثمانية وعشرون كاهناً الحاكم الرّوماني إِلى الساحةِ، وأُخذا اللّصان إلى هناك في ذلك الوقت الذي قَدّمَ فيه بيلاطس مُخلصنا إِلى الشعب قائلا :" انظروا الرجل "
كان يسوع ما زالَ يكتسي بردائه الأرجواني وتاج الشّوك على رأسه، ويداه مقَيّدتان، عندما أحضره الجنود إِلى المحكمةِ، ووَضعاه بين الشّريرين. ما أن جلس بيلاطس، حتى بدأ يخاطب أعداءَ يسوع ثانية بهذه الكَلِماتِ " اَنْظرُوا ملككَم! " لكن نداءاتَ " أَصْلبه! أصلبه! ' دَوّت من كل جانبِ. قال بيلاطس " أأصْلبُ ملككَم؟ ". رَدَّ كبار الكهنة " لَيْسَ لنا ملكُ سوى قيصرَ!" .
وَجدَ بيلاطس أنه لا يجدي بالمرة أَنْ يَقُولَ أي شئ آخر، ولهذا شَرعَ فى إعداد حكم الموت. اللّصان كانا قد تلقيا الحكم بصلبِهما من قبل؛ لكن كبار الكهنة قَدْ حَصلوا على تأجيلِ لهما، من أجل أن يُصلب يسوع معهما ليَعاني عاراً إضافياً لَكُونُه يُصلب مع مجرمين من أردأ المجرمين. صليبا اللّصان كَانا بجانبهما؛ أما صليب يسوع لم يكن قد جُلب بعد، لأنه لم يكَنَ قد حُكمَ عليه بالموتِ حتى الآن.
اقتربتَ العذراء المباركة لتَسْمعَ النطق بعقوبة الموتِ على ابنها وإلهها. وَقفَ يسوع وسطِ الجنود، عند بداية السّلمِ الذى يُؤدّي إلى المحكمةِ. دوى البوق ليَطْلبَ الصمت، وبعده أعلن القاضي الجبان، بصوتِ مرتجفًِ مترددً، عقوبة الموتِ على الإنسان البارِ. أنهكني منظر جبنِ ونفاق هذا الإنسان، وكذلك بهجة الجلادين ووجوه كبار الكهنة الذين بدوا منتصرين، بالإضافة إِلى الحالة المحزنةِ التي وصل إليها مُخلصنا الحبيب، وأسى أمه الحبيبة, كل ذلك زِادَ من آلامي. نَظرتُ ثانية، ورَأيتُ اليهود القساة يَلتهمونَ تقريباً ضحيّتهم بأعينهم، الجنود يَقفونَ ببرود، وحشود من الشّياطينِ المروّعةِ تَعْبرُ ذهاباً وإيابا وتخَتلْط بالحشودِ. شَعرتُ أنّي كَانَ يجبُ أَنْ أكُونَ في موضع يسوع، عريسي الحبيب، لأن العقوبة حينئذ لَنْ تكون ظالمةَ؛ لكنى كنت مقهورة بالألمِ، وآلامي كَانت حادةَ جداً، حتى أنى لا أستطيع أَنْ أَتذكّرَ بالضبط كل الذي رَأيتُه. على أية حال، سوف أروى كل شئ تقريباً بقدر الإمكان

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

بعد مقدمةِ طويلةِ، قَدْ أُعدّتْ بالدرجة الأولى‏ كقصيدة مدح للإمبراطور ِطيباريوس، تَكلّمَ بيلاطس عن الاتهامات الموجهة ضد يسوع من قِبل رؤساء الكهنة. قالَ إنهم قَدْ أدانوه إِلى الموتِ لكونه يُعكر السّلام العامّ، وكَسرَ ناموسهم بدُعوةِ نفسه ابن الرب ِوملكِ اليهودِ؛ وأن الشعب قَدْ طَالب بشكل جماعي أن حكمهم لابد أَنْ يُنفّذَ. هذا القاضيِ على الرغم من قناعته المتكرّرة ببراءةِ يسوع، لم يكن خجلاناً من أن يقَولِ أنه أيضاً احترم‏ قرارهم كقرار عادل، وإنه لهذا يَجِبُ أَنْ يعلنَ الحكم الذى صاغه في هذه الكَلِماتِ : " إني أُدينُ يسوع الناصري، ملك اليهودِ، بأنْ يُصْلَبُ " وأَمرَ الجلادين أَنْ يُحضروا الصّليب. أَعتقد أنى أَتذكّرُ أيضاً أنه اَخذَ عصا طويلةَ في يديه وكَسرها، وألقاها عند قدمي يسوع.
بسّماعِ كَلِماتِ بيلاطس هذه, أغمى على أم يسوع لبضع دقائق، لأنها تأكدت الآن أن ابنها الحبيبَ لابد أَنْ يَمُوتَ الموت الأكثر خزيا وألماِ. حملها يوحنا والنِّساء القديّسات، لَمْنعَ هذه الكائنات القاسية التي أحاطت بهم من أضافه جريمةِ إِلى جريمتهم بالسخْرِية منِ أحزانها؛ لكنها أفاقت بعد مدة قليلةَ وتوسلت لرفاقها أنْ يأخذوها ثانية إِلى كل بقعةِ قَدْ تقُدّستْ بآلامِ ابنها، من أجل أَنْ تُبلّلها بدموعها؛ وهكذا قامت أمَ إلهنا، باسم الكنيسةِ، بتكريم تلك الأماكنِ المقدّسةِ.ُ
كتب بيلاطس الحكم، وأولئك الذين وَقفوا خلفه نَسخوه فى ثلاث نسخ. الكَلِمات التي كَتبَها كَانتْ مختلفةَ تماماً عن الكلمات التي أعلنها؛ إنى أستطيع أَنْ أرى بوضوح أنّ ذهنه قَدْ تحرك على نَحْو مُفزِع‏, ظَهرَ ملاك كى يُوجّهَ يدّه. خلاصة الحكم المكتوبِ كَانتْ كالآتي : " لقد أُرغمتُ، خوفاً من التمردِ، أَنْ أخضع لرغباتِ رؤساء الكهنة والسنهدريم والشعب، الذين طَلبوا الموت بصخب‏ ليسوع الناصري، الذي اتّهموه بأنه يٌعكر السّلام العامّ، وأيضا لكونه يجدف ويكَسرَ ناموسهم. لقَدْ أسلمته لهم كى يُصْلَب، على الرغم من أن اتهاماتهم بَدت بلا أساسِ. لقَدْ فعلتُ هذا خوفا من وشايتهم للإمبراطورِ بأنني أُشجّعُ التمردَ، وأُتسبّبُ فى الاستياء بين اليهودِ بإنْكار حقوقهم فى العدالةِ." ثم كَتبَ لوحة للصّليبِ، بينما كان كتّابه ينَسخَون الحكم عدة مرات، لُترسل هذه النّسخِ إِلى المناطق البعيدةِ من البلدِ.
استاء رؤساء الكهنة بشدة من كَلِماتِ الحكم، التي قالوا إنها ليست صادقة؛ وأحاطوا المحكمةَ بصخب سْاعين أن يُقنعوه بأَنْ يُعدّلَ اللوحة، وأَلا يَضعُ كلمة ملك اليهودِ، بل أنه قالَ، أنا ملكُ اليهودِ. اغتاظ بيلاطس وأجابَ بشكل غير صبور، " ما قَدْ كَتبته قَدْ كَتبته! '
لقد كَانوا حريصينَ أيضاً على ألا يكون صليبِ يسوع أعلى من صليبي اللّصين، لكن ذلك كان ضروريَا، وإلا لن يكون هناك مكانَ كافٍ لوضع لوحة بيلاطس؛ لذا كانوا حريصين على أَنْ يُقنعوه بألا تُوضع هذه اللوحة البغيضِة بالمرة. لكن بيلاطس كان مصمماً ولم تؤثر كَلِماتهم عليه؛ لذا كان لابد من تطويل الصّليب بقطعةِ إضافية من الخشبِ. ولذلك كان شكل الصّليبِ مميزاً, بدا الذراعان مثل فرعىِ شجرةِ ينْموان من جذعِ شجرة، والشّكل كَان على شكل حرف Y، الجزءِ السفلي أطَوّلَ لكي يرتفع بين الذراعين اللذين قَدْ وُضِعاَ منفصلين، وكَانَا أنحفَ من جسمِ الصّليبِ. سُمّرتْ قطعة خشب قرب نهاية ساق الصّليبِ لتستقر عليها القدمان.
خلال الوقت الذي كان فيه بيلاطس يُعلنُ حكمه الجائر، رَأيتُ زوجته، كلوديا بروكليس، تُرد له التعهد الذي سبق أن أعطاه لها، وفي المساءِ تَركتْ القصر وانضمت إلى رفاق يسوع، الذين أخفوها في قبو تحت الأرضِ في دارِ لعازر في أورشليم. بعد ذلك في نفس اليوم. صارت كلوديا بروكليس مسيحيةَ وتبعت القديس بولس وأصبحت أحد رفاقه المقربين .
ما أن أعلن بيلاطس حكمه على يسوع حتى أُسلم إلي أياديِ الجنود، والملابس التي قَدْ تبدلت في محكمةِ قيافا أعادوها إليه ليرتديها ثانية. أَعتقدُ أن بعض الأشخاصِ المُحسنين قَدْ غَسلوها، لأنها بدت نظيفة. الأشرار الذين أحاطوا بيسوع حَلّوا يديه ليبدل رداءه، وجذبوا العباءة القرمزية التي كَسوه بها ليسخروا منهِ، بذلك تفتحت كل جراحه مرة أخرى؛ أرتدي ملابسه بأيادي مرتعدة، والقوا وشاحه على كتفيه. ولأن تاجِ الشّوكِ كَانَ كبيراً جداً ومنِعَ العباءة الغير مُخيطة، التي صنعتها له أمه، من المرور من رأسه، نزعوه بقسوة، غير عابئين بالألمِ الذى وقعَ عليه. القوا رداؤه الصّوفي الأبيض بعد ذلك على كتفيه، وأعطوه حزامه العريض وعباءته. بعد هذا، ربطوا ثانية حلقه مغَطّاة بقطع حديديةِ مدببة حول خصره، ورَبطوا بها الحبالَ التي اُقتيد بها، فاعلين كل ذلك بقسوتهم الوحشيةِ المعتادةِ.
كَانا اللّصان يَقفانِ، واحد على يمينِ يسوع والآخرِ على يساره، أياديهم مقيدة وكانت توجد سلسلةَ حول رِقابهم؛ وقَدْ تغُطّوا بعلاماتِ سّوداءِ وزرَقاء مِن أثر الضرب, نتائج‏ الجَلْدِ فى اليومِ السّابقِ. وكان سّلوك أحدهم هادئاَ ومسالمَ، بينما الآخرِ على العكس، كَانَ عنيفا ووقحاً، وشارك الجنود في إهانةِ يسوع والتجديف عليه، بينما نَظرَ يسوع على رفيقيه بحبِّ وشّفقةِ، وقدم آلامه لأجل خلاصهما.
جمع الجنود كل ما هو ضروري من أدواتِ لأجل الصّلبِ، وأعدوا كل شيء للرّحلةِ الشاقة والمؤلمةِ إِلى الجلجثة .
تَخلّى حنان وقيافا أخيرا عن مُعَارَضَةِ بيلاطس، وانسحبا بغضب، آْخذُين رقّ الكتابةِ التي كُتِب عليها الحكم؛ خَرجوا في عجالةِ، خشية أَنْ يصلوا الهيكلِ متأخرين لذبح الفصحِ. هكذا فعَلَ رؤساء الكهنة بجهل‏، تاركين حملِ الفصحِ الحقيقيِ. لقد ذَهبوا إلى هيكلِ مصنوع من حجارةِ، ليذبحوا ذلك الحملِ الذي لم يكن سوى رمزَ، وتَركوا حملَ الفصحَ الحقيقيَ، الذي كَانَ يُقاد إِلى مذبحِ الصّليبِ مِن قِبل جلادين قساة؛ لقد كَانوا حريصين ألا يرتكبون أدنى تلوث خارجي، بينما كانت نفوسهم من الداخل مدُنّسَة بالكامل بالغضبِ والكراهية والحسد. لقَدْ قالوا " أن دمه علينا وعلى أولادنا ! " وبهذه الكَلِماتِ أتموا الطقس، حيث وَضع مُقدم الذبيحة يده على رأسِ الذبيحة. هكذا تشّكل طّريقان, طريق يقود إِلى مذبحِ يختص بالشريعة اليهوديةِ، وآخر يقود إِلى مذبحِ النّعمةِ.
اَخذَ بيلاطس، ذلك الملحد المتكبر والمتردّدِ، عبدِ ذلك العالمِ، الذي ارتعدَ في حضرة الإله الحقيقيِ، ومع ذلك مَجّدَ آلهته الكاذبة، طريقَاً متوسّطَاً وعاد إِلى قصره. صدر الحكم الجائر في حوالي العاشَرة صّباحاِ.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

الفصل الأربعون
حِمل‏ الصّليب

عندما ترك بيلاطس المحكمةَ تبعه جماعة من الجنودِ، وصاحبوا المذنبين. جاء ثمانية وعشرون فريسياً مُسَلَّحاً إِلى الساحة على الجيادِ، من أجل أَنْ يُرافقَوا يسوع إِلى موضع تّنفيذِ الحكم، ومن بين هؤلاء كَان أعداءَ يسوع السّتة، الذين سَاعدوا في اعتِقاله في بستان الزّيتونِ. أقتاد الجنود يسوع إلى منتصفِ القاعةِ، طرح العبيد الصّليبَ عند قدميه، والذراعان قَدْ رُبِطا حالاً على القطعة العمودية. ركع يسوع بجانبه، طَوّقه بيديه المقدّسةِ، وقَبّله ثلاث مرات، موجهاً في نفس الوقت، صلاة شكر مؤثرة للغاية إِلى أبيه السّماويِ لأجل عملِ الفداء الذي قَدْ بَدأهَ. لقد كان التقليد بين الأمم أَنْ يُعانقَ الكاهن المذبح الجديد، ويسوع بمثل ذلك عَانق صليبه، ذلك المذبحِ الجليلِ الذي كَان عَلى وَشَكِ أَنْ تُقدم عليه الذبيحة الدّمويةِ والكفاريةِ. أنهضه الجنود وبعد ذلك سْجدُ ثانية، ووُضع الصّليبِ الثّقيلِ على كتفه الأيمنِ، سانداً وزنه العظيمَ بيدّه اليمنى بينما كَانَ على رُكَبتيه وكان ما زالَ يَصلّي .
وضع الجلادون أذرع الصليبان الآخرين على ظهرِ اللّصين، ورَبطواْ أياديهم بإحكام بها. الأجزاء العمودية للصّليبينِ حملها بعض العبيد، لأن القِطَعِ المستعرضةِ لم تكن مثبتة حتى قبل وقتِ التّنفيذ. أعلن صَوّتَ البوقُ مغادرة خيالةِ بيلاطس، وجاء أحد الفريسيون الذى ينتمى إلى الحرس إِلى يسوع، الذي كان لا يزالَ راكعاً وقالَ له " انهض، لقد أَخَذنا كفايتنا من الكلام المعسول؛ اَنْهضُ للمسير " لقد أقاموه عنوة، لأنه كَانَ عاجزَا بالكليةً عن أَنْ يَنْهضَ بدون مساعدة، وشَعر على أكتافه بثقل ذلك الصّليبِ الذي يَجِبُ أَنْ نَحْملَه خلفه، طبقاً لوصيته الصادقة والمقدّسة بأَنْ نتبعه. هكذا بَدأَ ذلك الموكبِ المنتصرِ لملكِ الملوكِ، موكب بغاية الخزي على الأرضِ، وبغاية المجد في السّماءِ.
سند جنديان الصليب بواسطة الحبال التي ربطها الجلادون به، ليَمْنعَا تُشَابَكه في أي شئ، وأمسك أربعة جنود آخرين بالحبالِ الأربعة، التي رَبطوها بيسوع أسفل ملابسه. منظر إلهنا الحبيب مَرتجف تحت حمله، ذَكّرني بإسحاق، عندما حَملَ حطبَ محرقته إلى الجبلِ. أعلن بوق بيلاطس الأمر ببدء الموكب، لأنه نَوى أَنْ يَذْهبَ بنفسه إلى الجلجثةِ علي رأسِ فصيلةِ من الجنودِ، ليَمْنعَ أى إمكانية للتمردِ. كَانَ على صهوة جوادِ، مُغطى بدّرعِ ومحاطَ مِن قِبل ضّبّاطه وسلاح الفرسانِ، ويتبعه حوالي ثلاثمائة من المشاةِ. تقدم الموكب نافخ البوق الذي نفخ بوقه في كل زاويةِ وأعلن الحكم. سار عدد من النِّساءِ والأطفالِ خلف الموكبَ بالحبالِ والمسامير والأوتاد وبسلال ممتلئة بأشياء مختلفةِ في أياديهم؛ الآخرون، الذين كَانوا أقوىَ، حملوا السلالم والقطع الرأسية لصليبي اللّصين، وتَابع بعض من الفريسيون الموكب على ظهور الجيادَ. حمل صبى اللوحة التى كتبها بيلاطس للصليب، حَملَ أيضا علي طرف عصى طويلةِ إكليل الشوك الذي كان قَدْ أزيل عن رأس يسوع، أنه لم يبدُو شّريرا وقاسياِ مثل الباقينِ. بعد ذلك رأيت مُخلّصنا المباركَ وفادينا, قدميه عاريتين ومتورمين تَنزفان وظهره منحنى كما لو كَانَ عَلى وَشَكِ الغرقَ تحت الوزنِ الثّقيلِ للصّليبِ، وجسده بالكامل مغَطّي بالجراحِ والدّمِ.
بَدا بغاية الإعياءِ لكونه لم ينام ولا شرب منذ عشاء اللّيلةِ السّابقةِ، بدا ضعيف من نزف الدّماءِ، ظمآن نتيجة الحمىِ والألمِ. لقد كان يسند الصّليبَ الموضوع على كتفه الأيمن بيدّه اليمنىِ، يده اليسرى تدلت بضعف بجانبه، لكنه حاول من وقت لأخر أَنْ يمسك بها رداؤه الطّويل ليَمْنعَ قدميه النَّازِفتين من أن تتُشَابَكا معه. سار الجنود الأربعة الذين أمسكوا بالحبال التي رُبِطتْ حول خصره بعيدا عنه قليلا، الاثنان اللذان فى الأمامِ يسحبانه، والاثنان اللذان فى الخلف كانا يجرانه للخلف، لكي لا يستطيع الَتقدّمَ بالمرة إلا بصّعوبة. يداه تقطعَتا مِن الحبالِ التي قُيد بها؛ وجهه كان ملطخاً بالدماء ومشَوّهَاً؛ شعره ولحيته مشبعان بالدّمِ؛ وزن الصّليبِ وقيوده جعلت رداؤه الصّوفي يخترق جراحه، ويُعيدُ فتحها: الكَلِمات الساخرة والقاسية هى فقط التى وُجهت إليه، لكنه استمرَّ يَصلّي من أجل مضطهديه، ومُحياه يُبدى تعبيراً ينم عن الحبِّ والاستسلام. سار عديد من الجنودِ المسلّحين بجانبِ الموكبِ، وبعد يسوع جاءَ اللّصان، اللذان كانا يُقتادان على نفس النمط، أذرع صليبيها، مَوْضُوعَة على ظهريها وأياديهم مقيدة بأحكام بنهايتها. كانا يرتديان مآزر‏ كبيرةِ، مع وشاح بلا أكمام يغَطّى الجزء الأعلى من جسمهما، وكَانا يرتديان قلنسوتين على رأسيهما. اللّص الصغير السن كَانَ هادئا، لكن الآخرَ كُان على العكس، غاضبا ولم يتَوقّف عن اللَّعْن والسب. مؤخّرة الموكبِ كان بها بقيّةِ الفريسيون على ظهور الجيادِ، كانوا يمشون ذهاباً وإياباً لحفظ النظام. بيلاطس وحاشيته كَانواَ علي مسافةِ فى الخلف؛ كان في وسطِ ضبّاطه مرتدياً دّرعهِ، تسَبقَه فرقة من سلاح الفرسانِ، ويتَلوه حوالي ثلاثمائة جندي من المشاةِ؛ عَبرَ الساحة، وبعد ذلك دَخلَ أحد الشّوارع الرّئيسية، لأنه كَانَ يسير خلال المدينةِ من أجل أَنْ يَمْنعَ أي شغب بين الشعب .
اقتيد يسوع من شارعِ خلفيِ ضيّقِ، لكى لا يُزعج الموكب الأشخاص الذاهِبينَ إلى الهيكلِ، ولكي يأخذ بيلاطس وفرقته الشّارعُ الرّئيسيُ بالكامل لأنفسهم. الجموع كانت قد تفَرّقَت بعد قِراءةِ الحكم، والجزء الأعظم من اليهودِ أمّا رَجعوا إِلى بيوتهم أو إِلى الهيكلِ، ليعدوا حمل الفصح؛ لكن البعض منهم كانْ لا يزالَ يُسْرِع‏ في فوضىِ كي يبصروا مرور الموكبَ السّوداوي؛ منع الجنود الرّومان كل الأشخاصِ من الانضمام للموكبِ، لهذا كان الأكثر فضولاً مضطراً أَنْ يتجه نحو الشّوارعِ الخلفيةِ، أو أَنْ يُسرّعَ ليصلَ الجلجثة قبل يسوع.
الشّارع الذى اقتادوا يسوع خلاله كان ضيقاً وقذراً؛ لقد عَانى الكثيرَ من المرورِ منه، لأن الجنود كَانَوا قريبين ويحثونه. الأشخاص الذين وَقفوا على أسطح البيوت، وفي النّوافذِ أهانوه بلّهجة مخزيةِ؛ العبيد الذين كَانوا يَعْملونَ في الشّوارعِ القوا القاذورات والطينَ عليه: حتى الأطفال حَرّضهم أعداؤه، لقَدْ ملئوا جيوبهم بالحجارة، وكانوا يلقونها أمام أبوابهم حيث كان سيعَبرَ يسوع، لكى يضطر أَنْ يَدُوسَ عليها.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

تأمل الرب يسوع
بينما كان قلبي مستغرقاً فى الحزن من أجل هلاك يهوذا الأبدي، وَضع الجلادون القساة، عديمي الحس بآلامي، الصّليبِ الصّعبِ والثّقيلِ على كتفي المَجْرُوح, الصليب الذي كان علىّ أَنْ أُكملَ علية سر فداء العالم ِ.
تأمّلوني يا ملائكة السّماءِ. انظروا خالقَ كل الأعاجيب؛ انظروا الإله الذي تُقدم إليه كل الأرواحِ السّماويةِ الإجلال؛ انظروا الإله يَسْير نحو الجلجثةَ حاملاً على كتفيه الخشبة المقدّسةِ والمباركةِ؛ انظروا الإله الماضي كي يُلفظ أنفاسه الأخيرة.
اَنْظروا إلى أيضا يا أحبائي, يا من ترغبوا فى أنْ تَكُونواَ مُقتدين أمناء بى. إن جسدي المُنسحق بكثير من العذابات يَمْشي بلا قوةَ، مغسولاً في العرقِ والدّماء .... إنى أُعاني، بدون أن يكون هناك أي أحد آسفاً على آلامي! الغوغاءُ يَمْشون معي ولَيسَ هناك شخصَ واحد يَشْعرُ بالرحمة تجاهي. إنهم جميعاً يُحيطون بي كذّئابِ جوعي تُريد أَنْ تَلتهمَ فريستها... كل الشّياطينِ جاءتْ من جهنمِ كى تَجْعلَ آلامي أسوأ.
إنّ الإعياءَ الذي شْعرت به كان عظيماً جداً والصّليبُ ثقيلُ جداً حتى أننى فى منّتصف الطريقِ، سْقطُت. انظروا كيف يَنهضوني أولئك الرّجالِ المتوحشين بغاية الوحشية. أحدهم يجذبني من ذّراعي، آخر يجذب ملابسي المُلتصقة بجراحي، بتُمزّقها انَفْتحَت جراحي مرة أخرى.... هذا الحارس يمسكني من رّقبتي، الآخر من شّعري، آخرون يضربونني بقبضات أياديهم وكذلك بأقدامهم ضرباتِ موجعة في جميع أنحاء جسدي. سّقط الصليب فوقي وبوزنه تسبّبُ فى جراحَ جديدةَ... وجهي نظّفُ أحجارِ الطّريقِ والدّمِ الذي نزف من وجهي التصق بعيني اللتين انَغْلقتاِ تقريباً بسبب الضّرب الذى نالاهما؛ التراب والطّين اختلطا بالدّمِ وقد تحوّلتُ إلى شيء أكثر من كريه. أرسلْ أبى ملائكةَ لمعونتي لمساندة نفسي لكي لا يفقد جسدي الوعي عندما يَسْقطُ، حتى لا تُحسم المعركةَ قبل أوانها ويُفقد كل شعبي .
لقد دُسُت على الأحجارِ التي أدمت قدمايّ. تعثّرتُ وسْقطُت مرة ومرة أخرى. نْظرتُ إلى جانبيِ الطّريقِ، بْاحثاً عن نظرةِ حب صغيرةِ، نظرةِ استسلام، نظرةِ اتحاد بآلامي، لكنى لم آري ولا نظرةِ واحدة.
أبنائي، يا من تَتبعوا آثار خطاي، لا تَتْركُوا صليبكَم حتى وإن بدا ثقيلاً جداً. افعلوا هذا من أجلى. بحَمْلِ صليبكَم، سَتُساعدونني على حْملُ صليبى، وفى الطّريقِ الصّعبِ، سَوف تَجدُون أمي وكل النفوس المقدّسة وسيَعطونكَم المساندة والراحة. استمرّْوا معي لبضع لحظاتِ، وبعد عدة خطوات ستبصرونني بحضورِ أمي المقدّسةِ التي خْرجُت كى تلاقيني وقلبها مطعون بالألمِ, لقد جاءت لسّببين: أولهما لتنال المزيد من القوة لمواجهة آلامها برؤية إلهها، ثانيهما كى تَعطي ابنها بصمودهاِ البطولي التشجيع ليَستمرّ فى عمل الفداءِ.
خذوا بعين الاعتبار‏ استشهاد هذين القلبين. إن ما أحبته أمي بالأكثر هو ابنها.... أنها لا تستطيع أَنْ تُهدّئَ آلامي وهي تَعْرفَ أنّ زيارتها سَتَجْعلُ آلامي أكثر سوءاً، لكن ذلك سَيَزِيدُ قوتي أيضا كى أنفذ مشيئة الأب.
إن أمي أعظم حبيب لى على الأرضِ، وليس فقط أننى لم أستطع أَنْ أعزيها، بل أن الحالة الحزينةَ التى َرأتني عليها سبّبُت لقلبها آلاماً عميقة مثل آلامي. لقد دعت تنهداتها تفلت منها. لقد تلقت في قلبها الموتِ الذي كنت أَعانيه في جسدي.أه كم ثبّتتُ عينيها عليّ وثبّتُ عينيّ عليها! نحن لم نَنْطقُ بكلمة واحدة، لكن قلبينا قالا أشياءِ كثيرة في هذه النّظرةِ المؤلمةِ.
نعم، لقد شَهدتْ أمي كل عذابِ آلامي من خلال رؤى سمائية. بِضْع تلاميذ، بالرغم من إنهم ظلوا بعيدينًَ خوفاً من اليهودِ، إلا أنهم حَاولَوا أَنْ يَكتشفوا كل شيء ويُعلمُوا أمي. وعندما وَجدتْ أنّ حكم الموتِ قَدْ صدر بالفعل، رحلت كى تُقابلني ولم تتَركني حتى وَضعوني في القبرِ.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

الفصل الحادي والأربعون
سّقوط يسوع والاستعانة بسمعان القيروانى

الشّارع الذي تَكلّمنَا عنه، بعد انحرافه لليسار قليلا، صار واسعاً وشديد الانحدار وتعبر أسفله قناةِ تأتى من جبل صهيون، وبه حفر تمتلئ دوماً بالماءِ والطّينِ بعد الأمطارِ، وُضعت حجارة كبيرة في منتصفه ليستطيع الناس َعبوره بسهولة. عندما وَصلَ يسوع إلى هذه البقعةِ، كانت قوته قَدْ استنزفْت تماماً؛ لقد كَانَ عاجزاً تماماً عن أَنْ يتحرّكَ؛ وبينما كان الجنود يجرونه ويدَفعونه بلا أدنى رحمة، سَقطَ على هذه الحجارةِ، وسقط الصّليب بجانبه. واضطر الجنود أَنْ يَتوقفوا، شتموه وضَربوه بلا رحمة, لكن كل الموكبَ تَوقّفَ، مما تسَبّبَ فى بعض الاضطراب. عبثاً مد يدّه ليساعده أى أحدِ ليَنْهضَ، صاح : " آه!, إن كل شئ سَينتهي قريباً " وصَلّى من أجل أعدائه. قالَ الفريسيون : " أنهضوه وإلا فإنه سَيَمُوتُ في أيدينا. " كان هناك عديد من النِّساءِ والأطفالِ يَتبعون الموكبَ؛ بكت النساء وخاف الأطفالِ. على أية حال، لقد نال يسوع مساندةَ من فوق ورَفعْ رأسه؛ لكن هؤلاء الرّجالِ القساة، كانوا بعيدا عن السَعي لتخفيف آلامه، ووَضعَوا تاجَ الشّوكِ ثانية على رأسه قبل أن يسَحبوه من الطّينِ، وما أنَ وقف مرة أخرى على قدميه حتى وضعوا الصّليبَ على ظهره. زِادَ تاج الشّوكِ الذي طَوّقَ رأسه من آلامه بما يفوق الوصف, والزمه أَنْ يميل برأسه على أحد الجانبِين ليَعطي مكاناً لصليبه، الذى طُرح بشدّة على كتفيه.
تركت مريم الساحة فور إعلان الحكم الجائر، يرَافقهاَ يوحنا وبعض النِّساءِ. لقَدْ آلت على نفسها أن تسير متجهة إِلى عديد من الأماكن التى تقَدّستْ مِن قِبل إلهنا وترويها بدموعها؛ لكن عندما أعلن صوتَ البوقِ وتدافع الناسِ وضجيج الخيالةِ أنّ الموكب عَلى وَشَكِ المضي للجلجثةِ، لم تتمكن من أَنْ تُقاومَ رغبتها الملحة فى أَنْ ترى ابنها الحبيب مرة أخرى، توسلت إلي يوحنا أَنْ يَأْخذها إِلى الأماكنِ التي يَجِبُ أَنْ يَجتازها. قادها يوحنا إِلى قصر عِنْد مدخلُ الشّارعِ الذي سقط فيه يسوع أولِ مرة؛ لقد كان، كما اَعتقدُ، محل إقامة الكاهن الأكبرِ قيافا. حصل يوحنا على إذنِ من خادمِ عطوف أن يقف عند المدخل مع مريم ورفاقها. أم الرب كَانتْ شاحبَة، عينيها حمراء من كثرة البُكاءِ، وقَدْ لُفّتْ بإحكام‏ بعباءةِ رمادية. الصّخب والكلام المًهين للحشود الهائجة كان يُسْمع بوضوح؛ وأعلن منادي في تلك اللّحظةِ بصوتِ عال، أن ثلاثة مجرمين عَلى وَشَكِ أَنْ يُصْلبوا. فَتحَ الخادمُ البابَ؛ أصبحت الأصوات المُخيفة أكثر وضوحاً؛ وألقت مريم بنفسها على رُكَبتيها. بعد الصَلاةِ بتأجج، التفتت إِلى يوحنا وقالتْ : هَلْ أَبْقى؟ هَلْ على أَنْ أخْرجَ؟ هَلْ سَيكونُ لدى القوةُ لأبصرِه, أجابَ يوحنا: " إن لم تَبْقى لتَريه، فأنك سَتَحْزنُين بعد ذلك." لهذا ظلوا قُرْب البابَ، وأعينهم مثَبّتةَ على الموكبِ، الذي كان ما زالَ بعيدا، لكنه كان يَتقدّمُ بخطي بطيئةِ. عندما أقترب الذين يَحْملُون آلات التّنفيذِ، ورأت مريم نظراتهم الوقحةَ والمنتصرةَ، لم تتَمَكّنَ من السيطرَة على مشاعرها، بل مدت يديها كما لو أنها تُنشدَ معونة السّماءِ؛ مما جعل أحد المارة يقولَ لرفاقه : " من هذه المرأة التي تجيش بمثل هذا البكاءِ؟ ' فأجَاب رفيقه : " إنها أمُ الجليلى " عندما سمع الرّجال القساة هذا، بعيدا عن أن يتأثروا ببكائها بدءوا يتلهون بحزن هذه الأمِ المكلومة: أشاروا إليها، واَخذ واحد منهم المسامير التي ستستعمل فى تسمير يسوع بالصليب، وقَدّمها إِليها بأسلوب مهينِ؛ لكنها استدارتْ، مثَبّتةَ عينيها على يسوع، الذى كان يَقتربُ، واستندت على عمودِ، لئلا تَغِيبَ عن الوعي ثانية من الأسىِ، لأن وجهها كَان شاحبا كالموتى، وشفتاها شبه زرقاء. عَبر الفريسيون الذين على ظهور الجيادِ أولا، يتبعهم الصبي الذى يحمل اللوحة. ثم جاءَ ابنها الحبيب. غاْرقُاً تقريباً تحت ثّقلِ صليبه، ورأسه، الذى ما زالَ مُتوّجاً بالشّوكِ، كَانَ يَتدلّى في ألم على كتفه. ألقى نظرةَ شّفقةِ وحُزنِ على أمه، تَمايَل، وسقط لثاني مرة على يديه ورُكَبتيه. تعذبت مريم تماماً من هذا المنظر؛ نَسيتْ كل شئ ما عدا هذا؛ لا رَأتْ الجنود ولا الجلادين؛ لم تر شيء سوى ابنها الَحْبيبَ؛ وَقْفزتُ من المدخلِ إلي وسطِ المجموعةِ التي كَانَ تُهينُه وتشتمه، ألقت بنفسها على رُكَبتيها بجانبه واحتضنته. الكَلِمات الوحيدة التى سَمعتها هى : " أيا أبني الحبيب! " و" أماه! ".
بدا بعض الجنودِ متأثرين، ومع إنهم اجبروا العذراءَ المباركةَ على أَنْ تنسحب إلى المدخلِ، إلا أنه لا أحد منهم وَضعُ يديه عليها. أحاط بها يوحنا والنِّساء بينما سَقطتْ غائبة عن الوعيَ على الحجارةِ التي كَانتْ قُرْب المدخلَ، والتي انطبعت عليها يداها. هذه الحجارةِ كَانتْ صلبه جداً، وقَدْ انتقلت بعد ذلك إِلى أول كنيسةِ بْنيت في أورشليم، قُرْب بركة بيت صيدا، خلال فترة أسقفية القديس يعقوب الصغير لتلك المدينةِ. التّلميذان اللذان كانا مع أمِ يسوع حَملاها داخل الدّارِ، وأُغلق الباب. أثناء ذلك أنهض الجنود يسوع وأجبروه على أَنْ يَحْملَ الصّليب بأسلوب مختلفِ. لكون ذراعي الصليب لم تكن مثبتة من الوسط، ومُقيدة بالحبالِ التي كَانَ مقيد بهاَ، فأنه سندها بذراعه، وبهذه الطريقة ثقل الصّليبِ قد خف قليلا، حيث أنه جُر أكثر على الأرضِ. لقد رَأيتُ عدداً من الأشخاصِ يَقفُون في مجموعاتِ، الجزء الأعظم منهم كان يَسلّي نفسه بإهانةِ يسوع بطّرقِ مختلفةِ، لكن بضع نساء مؤتزرات كُنّ يَبْكينَ.
نشأ اضطراب مؤقتُ. سعى يوحنا والنِّساء القديّسات أن يُنهضوا مريم من على الأرضِ، ووبخها فريق الصلب، قال لها أحدهم : " ماذا تفعلين هنا يا امرأة؟ لقد كَانَ من الممكنُ ألا يَكُونَ أبنك في أيدينا لو كَانَ تربى بطريقة أفضلَ "
وَصلَ الموكب إلى بوابة في سور قديمِ فى المدينةِ، قبالة ميدان، تنتهي فيه ثلاثة شوارعِ، عندما تَعثّرَ يسوع فى حجرِ كبيرِ موُضوع، انزلق الصّليب من على كتفه وسَقطَ يسوع على الحجرِ وكَانَ عاجزَا بالكلية عن أَنْ يَنْهضَ. وقف عديد من الأشخاصِ كَانوا فى طريقهم إِلى الهيكلِ وصِاحوا على نحو عطوف : " انظروا لذلك الرجل المسكين، أنه يحتضر بالتأكيد!" لكن أعدائه لم يبدوا أية شفقةُ. تسبب هذا السّقوطِ فى تأخيرَ آخرَ، لم يتَمَكّنَ يسوع من أَنْ يَنْهضَ ثانية، وصاح الفريسيون فى الجنودِ : " نحن لَنْ نصل به إِلى مكانِ التّنفيذِ حياً ما لم تَجدُوا أحداً يَحْملَ صليبه. " فى تلك اللحظة كان سمعان القيروانى يَعْبرَ الطريق، يرَافقهَ ثلاثة مِن أولاده. إنه بستانيَ من الأمم كان عائدا توا إلى البيت بعد العَمَلِ في بستان قُرْب السور الشّرقي للمدينة ويحَمْل حزمة من الأغصان المُشَذَّبةِ. فهم الجنود من ردائه أنه من الأمم، امسكوه وآمروه أَنْ يُساعدَ يسوع في حَمْلِ صليبه. رَفضَ في بادئ الأمر، لكنه أُرغم على أَنْ يَطِيعَ، صرخ أولاده من الخوف وبكوا وأحدثوا جلبة عظيمة، مما جعل بعض النِساءِ يهدئون من روعهم . لقد كَانَ سمعان مغتاظاً للغاية واظهرِ سخطه لَكونه مُضطر أَنْ يسير مع رجل ذو مظهر يُرثى له وبحالة بغاية من الاتساخ والبؤسِ؛ لكن يسوع بَكى ونظر إليه نظرة وديعة وسماويةِ حتى أن الرجل تأثر وبدلا من مواصلة إظهار الإحجام سَاعده على النهوض، ربط الجلادون الصّليبِ على كتفيه، ومَشى خلف الرب يسوع، هذا أراحه بدرجة عظيمِة من ثقله؛ وعندما ترتبَ كل شئ، تحرك الموكب للأمام. كَانَ سمعان رجلاً قويَ المظهرَ، يبدو تقريباً فى الأربعين من العُمرِ. أكبر أولاده يُسَمَّى روفوس والثاني ألكسندر وقد صارا فيما بعد من عداد المُبشرين؛ الثالث كَانَ أصغرَ بكثيرَ، لكن بعد بضع سَنين ذَهبتْ ليَعِيشَ مع القديس اسطفانوس.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

تأمل الرب يسوع
ها أنا فى طريقي نحو الجلجثة. أولئك الرّجالِ الأشرار، خَوفُاً من يَروني أَمُوتَ قبل وُصُولِي للنّهايةِ، بْحثُوا عن أحدِ لمساعدتي فى حْملُ الصليب، أمسكوا برجلِ من منطقة مُجاوِرة‏ يُدَعى سمعان .
انظرواْ إليه خلفي وهو يُساعدني على حْملُ الصّليبَ، وفوق كل شيء خذوا بعين الاعتبار أمرين: أولاً أن هذا الرّجلِ تَنْقصُه النية الحسنةَ، ثانياً أنه إن كان قد جاء وشاركني فى ثّقل الصّليبِ، فذلك لأنه كان مكرهاً على ذلك. لهذا السّببِ، عندما شْعرُ أنه مُتعب جداً, تْركُ الثقل كله يقع عليّ وهكذا سْقطُت على الأرض مرّتان. إن هذا الرّجلِ يُساعدني على حْملُ جزءَ من الصّليبِ لكنة لم يحمل صّليبيَ كله.
هناك نفوساً تسير خلفي بهذه الطريقة. إنهم يَقْبلونَ مساعدتي على حْملَ صليبي لكنهم ما زالوا حريصين على رفاهيتهم وراحتهم. كثيرون آخرون يُوافقونَ على أن يَتْبعوني حتى النّهايةِ، مُنتهجين حياة مثالية. لكنهم لا يَتْخلون عن مصالحهم الشخصيّة، التي تظل تحيى فيهم، في عديد من الحالاتِ، تكون هى أولوياتهم. لهذا يَتردّدونَ ويَسْقطونَ صليبي عندما يثقل عليهم أكثر من اللازم. إنهم يسعون وراء المَعاناة لكن بأقلّ قدر من العناءِ، إنهم يرفضون نكران ذواتهم، يَتجنّبُون الإذلالَ ويَتْعبُون بقدر محتمل، ويَتذكّرونُ ربما بحُزنِ، ما قد تَركوه وراءهم، إنهم يُحاولونَ أَنْ يَحْصلوا على بعض الرّاحة والسّرور لنفوسهم.
باختصار، هناك نفوس أنانية ومغرورة قَدْ جاءت بالأكثر من أجل مصالحها ولا يسعونِ خلفي من أجلى أنا. إنهم يَتخلون عن ذواتهم فقط كى يقدموا لى ما يُضايقهم وما لا يُستطيعوا أَنْ يَضعوه جانبا ... ًإنهم يُساعدوني بحْملَ جزء صغير جداً من صليبي، وبمثل هذا الأسلوب يستطيعون وبصعوبة أَنْ يَكتسبوا استحقاقات لا غنى عنها لأجل خلاصهم . لكنهم في الأبدية، سَيَرواَ مدى بعدهم عن الطّريق الذي كَانَ يجبُ أَنْ يسلكوه .
بالمقابل، هناك نفوس، وهى لَيسَت بقليلة، تتحَرّك برغبتها للخلاص, أنهم مدفوعين بالحبِّ أساساً عندما رأوا ما عَانيتهُ من أجلهم، قرّرواُ أَنْ يَتْبعوني فى الطّريقِ نحو الجلجثةِ. لقد اعتنقوا حياةَ الكمال وأَعطواَ نفوسهم لخدمتي، ليس كى يُساعدوني بحْملُ جزء من الصّليبِ فقط, بل بحمل الصليب كلّه. رغبتهم الوحيدة كانت أَنْ يَريحوني وأَنْ يَواسوني. إنهم يَقدمون أنفسهم إِلى كل شيءِ تطلبه منهم مشيئتى، بْاحثُين عن أي شئ يُمكنُ أَنْ يُسرني. إنهم لا يُفكّرونَ فى الاستحقاقات أو المُكافئة التي تنتظرهم، ولا فى التعب أو الآلام التي ستَتْبع ذلك. الشيء الوحيد الذى يشغهلم هو الحب الذى يستطيعون إظهاره لى، والرّاحة التى سيَعطونها لى .
إن كان صليبي يُقدّمُ لهم كمرضِ، إن كان مخفياًَ تحت عمل يناقض ميولهم ويتفق قليلاًِ مع قدراتهم؛ إذا كان يَجيءُ مُرَافَقَاً لغيابِ الناسِ الذين يُحيطون بهم، فإنهم يقَبلونه باستسلام كاملِّ.
أه! هذه هى النفوس التي تَحْملُ صليبي حقاً؛ تُمجّده. يتحينون الفرصة، ليؤكدوا مجدي دون أدنى اهتمام آخر وبدون أي مُقابل آخر سوى حبّي. إنهم من يُبجلوني ويُمجّدوني.
أحبائي, إن لم تَروا نتائج لآلامكمَ، نتائج لنكران ذواتكَم، فحتماً سترون ذلك فيما بعد، تأكدوا أن ذلك لم يكَن بلا طائل أو بلا ثمر، بل، على العكس، فالثّمار سَتَكُونُ وفيرة.
النفوس التى تَحْبُّ حقاً، لا تَحتْفظُ بكشف حساب عن مدى ما عَانته أو ما صنعته، ولا تَتوقّعُ هذه المكافئة أو تلك، بل ستبحث فقط عما تؤمن أنه يُمجّدُ إلهها .... إنها من أجله لا تُوفّرُ لا الجهد ولا المشقة.
أنها لاْ تَصْبحَ مضطربة ولا مُستاءة، أنها لا تَفْقدُ سلامها إن وَجدُت نفسها مُحبَطَة أو مذلَّة لأن الحافزَ الوحيدَ لأفعالها هو الحبُّ، والحبّ لا يبالى لا بالعواقب ولا بالنَّتائِجَ. هذا هو هدفُ النفوس التى لا تَطْلبُ المُقابل. الشيء الوحيد الذي يتمنونه هو مجدي، مواساتي، راحتي، ولذلك السّببِ يأخذون صليبي وكل الثّقل الذى أشاء أَنْ أضعه عليهم.
أَدْعوني بأسمى يا أولادي، لأن كلمة يسوع تعنى كل شيءِ. أنا سَأَغْسلُ أقدامكَم، تلك الأقدامِ التي خَطتْ على طريقِ زلقِ وَجْرحتُها الصّخورِ. أنا سَأَمْسحُ دموعكَم، سأَشفيكمَ وأُقبّلكَم، ولن تَعْرفُوا طريق آخر سوى ذلك الطريق الذى يقودكمَ نحوى.
نحن الآن في الجلجثةِ! إنّ الغوغاءَ ثائرونُ لأن اللّحظةَ الرهيبة تقُترْب.... أنى مُنهَك بالإعياءِ، أستطيع أَنْ أسير بصعوبة. قدماي تَنْزفان بسبب أحجارَ الطريق.... ثلاث مرات سَقطتُ فى الطّريقِ: مرة كى أَعطي الخطاة الذين تعودوا على الآثمَ القوة أن يتوبواَ؛ الثانية كى أُشجّعَ النفوس التي تسَقطَ بَكُونُها ضعيفة، النفوس التى أعماها الحزنِ والضجر, كي تَنْهضَ وتباشر بشّجاعةِ طريقِ الفضيلةِ؛ والثالثة كى أُعين النفوس على أن تترك الخطيئةِ حتى لو في سّاعةِ موتها.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

الفصل الثاني والأربعون
فيرونيكا

بينما كان الموكبَ يجتاز شارعاًِ طويلاً، حَدثتْ حادثة أوجدت تأثيراً قوياً على سمعان القيروانى. عدد من الأشخاصِ كَانوا يُسرعون نحو الهيكل، كثيرين منهم تنحى بعيدا عندما رَأوا يسوع، خوفا من أن يتلوثواِ، بينما الآخرون، بالعكس، وَقفَوا واظهروا رحمة نحو آلامه. لكن عندما تقدم الموكبَ حوالي مأتى خطوةِ من البقعةِ التى بَدأَ فيها سمعان فى مُساعدُة الرب في حَمْلِ صليبه، فُتح باب دارِ على اليسار وخَرجَت امرأة ممسكة بيد فتاة صغيرة وسارت نحو مقدمة الموكبِ. كَانَ اسم المرأةِ الشّجاعةِ التى تَجاسرتْ على أَنْ تُواجهَ الحشود الغاضَبة سيرافيا؛ إنها زوجةَ سيراخ، أحد أعضاء مجلس الهيكلِ، وقَدْ عُرِفت بعد ذلك باسم فيرونيكا، الذي يتكون من شقين هما vera icon ومعناه صورة الوجه الحقيقي، لتخليد ذكرى تصرفها الشّجاع فى هذا اليومِ.
كانت سيرافيا قَدْ أعدّتَ بعض النّبيذِِ، الذي نَويتْ أَنْ تُقدّمهَ ليسوع ليُعينه وهو فى طريقه المؤلمِ إِلى الجلجثةِ. لقد وقفت في الشّارعِ لبعض الوقت ثم رَجعتَ للدّارِ لتَنتظرَ. عندما رأيتها أولا كانت مرتدية شالا طويلا وممسكة بفتاة صغيرة فى حوالي التاسعة من العُمرِ تسَعى إلى إخفاء النّبيذِ. أولئك الذين كَانوا على رأس الموكبِ حَاولَوا أَنْ يَدْفعوها للخلف؛ لكنها شقت طريقها خلال الغوغاءِ والجنود وفرقة الصلب حتى وَصلَت إلى يسوع، سقطت على رُكَبتيها أمامه، وقَدّمَت شالها قائلة : " اسمح لى يا ربي أَنْ اَمْسحَ وجهك " اَخذ يسوع الشال بيده اليسرى ومَسحَ وجهه النَّازِفَ، وأرَجعه بشكر. قَبّلته سيرافيا ووَضعته تحت عباءتها. قدمت البنت حينئذ النّبيذ بخجل، لكن الجنودَ المتوحشين لَم يَسْمحوا ليسوع بأَنْ يَشْرب منه. هذا التصرف الشّجاعِ لسيرافيا فَاجأَ الحرّاس، وتسَبّبَ فى توقف الموكب بصورة مؤقتة استطاعت خلاله أَنْ تُقدّم الشال إِلى سيدها الإلهي. غضب الفريسيون والحرس بشّدة، ليس فقط للتّوقّفِ المفاجئِ، بل بالأكثر بالشّهادةِ العامّةِ للتّبجيلِ الذى قدمته ليسوع، وانتقموا لأنفسهم بضّرِبهِ وسبه، بينما عادت سيرافيا بعجلةِ إِلى دارها.
ما أن عادت إلى غرفتها حتى وَضعتْ شالها الصّوفيَ على منضدةِ، وركعت فاقد الوعي‏ تقريباً على رُكَبتيها. دخل صديق الغرفة بعد وقت قصير ووَجدها سْاجدة هكذا والطّفلةِ تبكى بجانبها، ورَأىَ بدهشة الوجه الدّموي ليسوع مطَبوعاً على الشال ويشبهه تماما، مع أنه مؤلماً أن تَنْظرَ إليه. أنهض سيرافيا وأشار إِلى الشال فسَجدتْ ثانية راكعة وصِاحتْ وهى تبكى: " سَأَتْركُ الآن كل شئ بقلبِ سعيدِ، لأن إلهى قَدْ أعطاني ذكرى عن نفسه "
هذا الشال كَانَ من الصّوفِ الناعم؛ طوله حوالي ثلاث أضعاف عرضه، وكان يُلُبِسَ على الأكتافِ. فيا بعد كان من المألوف أَنْ يُقدّمَ هذه الشال إِلى الأشخاصِ الذين يكونوا فى تجربة شديدة أو فى تْعب شديد أو مرض، لكى يَمْسحوا وجوههم به، وكانوا يفعلون هذا لينالوا تعزية وشفقة. احتفظت فيرونيكا بهذا الشال حتى موتها، وعَلّقته علي رأسِ سريرها؛ ثم أُعطىَ للعذراءِ المباركِة، التي تَركته للحواريين، وهم بعد ذلك تركوه للكنيسةِ.
سيرافيا ويوحنا المعمدان كَاناَ أبنيّ عمَ، أبوها كان شقيق زكريا. عندما جاءا يواقيم وحنة والعذراءَ المباركةَ وهى فى الرابعة من العمر، إلى أورشليم ليَضعاها بين العذارىِ في الهيكلِ، قطنا في دارِ زكريا التي تُقِع قُرْب سوق السّمكِ. سيرافيا كَانَت أكبر من العذراء المباركة بخمس سَنَوات على الأقل، كَانتَ حاضرة لخطبتها للقديس يوسف النجار، وهى أيضاً قريبة لسمعان الشيخ، الذي تَنبّأَ عندما حمل يسوع علي ذراعيهِ. لقَدْ تربّت مع أبنائه. عندما كان يسوع فى الثانية عشر من العمر، ومكث يُعلم في الهيكلِ، سيرافيا، التي لم تكَنَ قد تَزوّجت آنذاك، كانت تُرسلَ له الطعامَ يومياً فى مسكن صغير على مسافة ربع ميلِ من أورشليم حيث كان يُقيم عندما لا يكون في الهيكلِ. ذَهبَت العذراء مريم هناك لمدة يومين، عندما كانت فى طريقها من بيت لحم إِلى أورشليم لتقدم ابنها في الهيكلِ. الشيخان اللذان احتفظا بهذا البيت كَانا من اليونانيين، ويعرفان العائلةِ المقدّسةِ جيدا؛ كان البيت يحتوى على أساسِ فقيرِ، ويسوع وتلاميذه كانوا يترددن كثيرا هناك لقضاء الليلِ.
سيرافيا تَزوّجَت فى سن متأخّرة نوعا ما؛ زوجها، سيراخ، كان من نسل سوسنة العفيفة، وكَانَ عضوَ فى السنهيدرم. كان في بادئ الأمر مُعارضاً بشّدة ليسوع، وعَانت زوجته كثيراً معه بسبب ارتباطها بيسوع وبالنِّساءِ القديّساتِ، لكن يوسف الرامى ونيقوديموس أثرا عليه فسَمحَ لسيرافيا أَنْ تتبع يسوع. عندما اتّهمَ يسوع على نحو ظالم في محكمةِ قيافا، أنضم زوج سيرافيا إلى يوسف الرامى ونيقوديموس في مُحاولُة تبرئة يسوع، واستقال الثلاثة من مقاعدهم في المجلسِ.
كَانَت سيرافيا فى الخمسين تقريبا عند دخل يسوع أورشليم فى أحد السعفِ، وقد رَأيتُها تخلع شالها وتضعه على الأرضِ كى يسير عليه. كان هو نفس الشال الذي قَدمتْه ليسوع في موكبه الثّاني هذا، هذا الموكب الذي يبدو بعيداً عن أي مجد، لكنه في الحقيقة أكثر مجدا. بسبب هذا الشال تغير اسمها من سيرافيا إلى فيرونيكا .

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

الفصل الثالث والأربعون
السّقوط الرابع والخامس ليسوع
بنات أورشليم

كان الموكب لا يزالَ علي مسافةِ من البوّابةِ الجنوبية الغربيةِ، إنها بوابة كبيرةَ، ومرتَبطة بالتّحصيناتِ، كان الشّارع وعر وشديد الانحدار؛ كَانَ يعبر أولا تحت قوسِ مُقَبَّبِ، ثم على جسرِ، وأخيراً أسفل قوسِ ثانٍ. السور الذى على الجانبِ الأيسر للبوّابةِ كان يتجه أولاَ نحو الجنوبِ ثم يَنحرفُ قليلا إِلى الغربِ، ويتجه أخيراً نحو الجنوبِ خلف جبل صهيون. عندما كان الموكب يقترب من هذه البوّابةِ، دَفع الجنود المتوحشون يسوع في بركةِ راكدةِ، كَانتْ قريبة منه؛ سمعان القيروانى، رغبة منه فى أَنْ يَتجنّبَ البركة، لف الصّليبُ، مما جعل يسوع يسقط للمرة الرابعة في وسطِ الأوحال القذرة، وبصعوبة بالغة رَفْعِ سمعان الصّليبِ ثانية. حينئذ صِاحَ يسوع بنبرة مؤثرة وحزينة إلا أنها كانت واضحة : " أورشليم، كم من مرة أردت أن أجمع بنيك معا كما تجمع الدّجاجةِ فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا " عندما سمع الفريسيون هذه الكَلِماتِ، صاروا أكثرَ غضبا، واستهلوا إهاناتهم وضربهم ليُجبروه على النهوض من الوحل. أثارت قسوتهم هذه سمعان القيروانى حتى أنه صِاحَ " إن واصلتم هذه التّصرفاتِ الوحشيةِ، فسَأَطْرحُ الصّليب ولن أعود اَحْمله حتى لو قْتلتموني "
ظهر طريق ضيّق وحجري بعد المرور من البوّابةَ، وهذا الطّريقِ يتجه نحو الشمال، ويقودَ إِلى الجلجثةِ. أنقسم الطّريق الرئيسي بعد قليل إلي ثلاث طرقِ، احدهم يتجه إِلى الجنوب الغربي ويقود إِلى بيت لحم من خلال واديِ جيحون؛ الثاني إِلى الجنوبِ نحو عمواس ويافا؛ الثالث نحو الجنوب الغربي أيضا، يلف حول الجلجثةِ وينتهيَ ببوّابةِ تقودَ إِلى بيت صور. الشخص الذى يَبْلغُ البوّابةَ التى اقتِيدَ يسوع من خلالها يستطيع أن يَرى بسهولة بوّابة بيت لحم. كانت هناك لوحة معلقة فى بداية الطّريقِ إِلى الجلجثةِ، تُعلنَ للعابرين أن يسوع واللّصين قَدْ أدينوا إِلى الموتِ. تجمعت مجموعة من النِّساءِ قُرْب هذه البقعةِ، وكن يَبْكين ويَنحنُ؛ كثيرات منهن يحملن أطفالاً صّغار علي أياديهن؛ مُعظمهن كنَ عذارىَ صغيراتَ ونِساءَ من أورشليم، كن قَدْ سَبقن الموكب، وقليلات جئن من بيت لحم ومن حبرون "الخليل حاليا" ومن أماكنِ أخرىِ مُجَاوِرةِ ، للاحتفال بعيد الفصح .
كَانَ يسوع على وشك السقوط ثانية، لكن سمعان، الذي كَانَ خلفه، بتدارك أنّه لا يستطيع أَنْ يَقفَ، أسرع كى يسنده؛ اتكأ يسوع عليه، وهكذا أنقذه من السُقُوطِ على الأرض. عندما رأت النِّساء والأطفال الحالة التى يرثى لها التى كان يسوع عليها، بكين بأصوات عاليةَ، وطبقاً للتّقليد اليهودي، قَدّمن قماشاً ليَمْسحَن وجهه. التفت يسوع نحوهم وقالَ : " يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ، لاَ تَبْكِينَ عَلَيِّ، بَلِ ابْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ وَعَلَى أَوْلاَدِكُنَّ! فَهَا إِنَّ أَيَّاماً سَتَأْتِي يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا: طُوبَى لِلْعَوَاقِرِ اللَّوَاتِي مَا حَمَلَتْ بُطُونُهُنَّ وَلاَ أَرْضَعَتْ أَثْدَاؤُهُنَّ! عِنْدَئِذٍ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ: اسْقُطِي عَلَيْنَا، وَلِلتِّلاَلِ: غَطِّينَا! فَإِنْ كَانُوا قَدْ فَعَلُوا هَذَا بِالْغُصْنِ الأَخْضَرِ، فَمَاذَا يَجْرِي لِلْيَابِسِ؟ " ثم وجه بضع كَلِمات التّعزيةِ إليهن لا أَتذكّرها بالضبط.
توقّف الموكبُ مؤقتا. وَصل الجلادون إلى الجلجثة بآلاتِ التّنفيذِ، وتُلاهم مائة من الجنودِ الرّومان الذين كانوا مع بيلاطس؛ الذى رَافقَ الموكب حتى المدخل ثم عاد إِلى المدينةِ

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

الفصل الرابع والأربعون
يسوع فى جبل الجلجثة

تحَرّكَ الموكبُ ثانية؛ كَانَ الطّريق شديد الانحدار ووعراً جداً بين أسوار المدينةِ والجلجثةِ، وكَانَ يسوع يجد صّعوبةُ عظيمة في السير بحمله الثّقيلِ على كتفيه؛ لكن أعدائه القساة، بعيدا عن الشعورِ بأدنى شّفقةِ، ودون إعطائه أقل مساعدة، استمروا يَحْثونّه بضّرباتِ قاسية والتفوه باللّعناتِ المُخيفةِ. أخيراً وَصلوا إلى بقعةَ حيث الممر يتحول فجأة نحو الجنوبِ؛ هنا تَعثّرَ وسقط يسوع للمرة السادسة. السّقوط كَانَ مُخيفاَ، لكن الحرّاسَ ضَربوه بطريقة أقسى ليُجبرونه على النهوض، وما أن وصل إلى الجلجثةَ حتى سقط للمرة السابعة.
سمعان القيروانى قَدْ مُلئ بالتّذمرِ والرّحمةِ؛ على الرغم من إعيائه، رَغبَ فى البقاء رُبَما يُساعدُ يسوع، لكن الجنود شَتموه وأبعدوه، صار سمعان القيروانى بعد ذلك مسيحيا وتبع التلاميذ. أمر الجلادون العُمّال والأولاد الذين يحَملون آلات التّنفيذِ أَنْ يرحلوا، ووصل الفريسيون فى الحال، لأنهم كَانوا على صهوة الجيادِ، وقَدْ اَخذوا الطّريق الممهد السّهل الذي يمتد شرقِ الجلجثةِ. منظرَ مدينةِ أورشليم بالكاملِ كان يُرى من قمةِ الجلجثةِ. هذه القمةِ كَانتْ مستديرة ومحاطةَ بسور منخفضِ ولها خمسة مداخلِ منفصلةِ. إن هذا العدد كان أمراً عادياً في تلك المناطق، لأنه كانت هناك خمسة طرقُ عند الحمامات، في الموضع حيث يتعَمّدوا، في بركةِ بيت صيدا، وكان هناك أيضا عديد من المدنِ ذات خمس بوّاباتِ. من هذا، كما في عديد من الخواصِ الأخرىِ للأرضِ المقدّسةِ، كَانَ هناك مغزىَ نبويَ عميقَ؛ عددِ خمسة هذا كَانَ يرمِز إلى‏ جراحِ مُخلصنا المقدّسةِ الخمسة، التي فْتحَت لنا أبوّاب السّماءِ.
توقف الخيالة عند الجانبِ الغربيِ للجبلِ، حيث لم يكنَ المنحدر شديد الانحدار؛ لأن الجانبِ الذي أتى منه يسوع كَان وعراً وشّديد الانحدار. أنتشر حوالي مائة جندي فى أجزاءِ الجبل المختلفةِ، ولأنه كان مطلوب خلو المكان، لم يُحضر اللّصان لأعلى، بل أمروا أَنْ يَتوقّفا قبل أن يصِلوا هناك، وأَنْ يرقدا على الأرضِ وأياديهم مقيدة بصليبيهما ووقف الجنود حولهما ليحَرسوهما، بينما وقفت جموع الناس الذين لم يخشوا من تَدْنيس أنفسهم قُرْب الرّصيفَ أو على المرتفعاتِ المُجَاوِرةِ؛ هؤلاء كَانوا في الغالب من الغرباءِ من الطبقات الدنيا ومن العبيد الوثنين، وعدد منهم كَن من النِساءَ.
كانت حوالي الساعة الثانية عشر إِلا ربعاً عندما وصل يسوع لموضع الصلب. جره الجلادون البرابرة لأعلى بالحبالِ التي رَبطوها حول خصره، وبعد ذلك حَلواَّ ذراعي الصّليبِ والقوهما على الأرضِ. منظر إلهنا المباركِ في هذه اللّحظةِ كَان حقاً يُحرّكَ أقسى القلوب نحو الرحمة؛ لقد وَقفَ أو بالأحرى انحنىَ على الصليب، لكونه قادراً بالكاد أن يسندِ نفسه؛ مُحياه السّماوي كَان شاحبا كما لشخصِ على حافة الموت، على الرغم من‏ أن الجراح والدماء شَوّهته لدرجةِ مخيفةِ؛ لكن قلوبَ هؤلاء الرّجالِ القساة كَانت للأسفً! أقسى من الحديدِ نفسه، وبعيدا عن إظهار أدنى رثاء له، طرحوه أرضاً بوحشية، صائحين باسْتِهْزاءِ : " أيها الملك القدير، ها نحن عَلى وَشَكِ أَنْ نَعدَّ لك العرش " وَضعَ يسوع نفسه فوراً على الصليب، وقِاسوه ووضعوا علامات فى أماكن قدميه ويديه، بينما استمر الفريسيون فى أهانه ذبيحتهم المستسلمة. عندما انتهوا من القياس، اقتادوه إِلى مغارة منحوتة في الصّخر، كَانت تُستعملْ فى السابق كقبوِ، فَتحواَ البابَ، ودَفعوه بغاية القسوة حتى أنه لولا مساندةِ الملائكةِ، لانكسرت ساقاه بالسقوط الصّعبِ جداً على الأرض الحجريةِ. لقد سَمعتُ آهات آلامه بوضوح، ثم أغلقوا البابَ بسرعة، ووَضعوا حرّاساً أمامه، وواصل الجنود إعدادهم للصليبِ. منتصف الرّصيفِ كَانَ جزءاً أكثر ارتفاعا، كان عبارة عن ربوة مستديرة، ترتفع قدمين تقريبا، وكان على المرء أَنْ يَصْعد درجتين أو ثلاث ليَصلَ إليها. حفر الجلادون ثلاث حفر للصّلبانِ الثّلاثة في قمةِ هذه الربوة، وَضعوا صليبى اللّصين واحد على يمينِ صليب يسوع والآخرِ عن يساره؛ كان كليهما أقل ارتفاعا من صليبه. ثم حَملوا صليب مُخلصنا إِلى البقعةِ حيث نَووا أَنْ يَصْلبوه، ووَضعوه بطريقة بحيث يَسهل سْقوطه في الفتحةِ المُعدة له. رَبطوا ذراعي الصليب بقوة بالجزء الطولي، سَمّرواَ قطعة من الخشب فى الجزء السفلي من الصليب حيث ستستند القدمين، ثقبوا أماكن المسامير، وجوفوا أماكن مختلفة في الخشب في الأجزاءِ التي بها رّأس وظهر المسيح، من أجل أن يستقر جسده على الصليب، بدلاً من يَكُونُ معلّقاً منه. هدفهم من هذا لم يكن رحمة منهم بل كَان إطالةَ مدة تعذيبه، لأن لو سُمح لوزنَ الجسد بالكاملَ أَنْ يتدلى من الأياديِ لتمزقت فتحاتِ المسامير تماما ويموت بسرعة أكثر مما يريدون. ثم جلب الجلادون قِطَعاً من الخشب يستعملوها كأوتاد ليحفظوا بها الصّليب قائماً.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

الفصل الخامس والأربعون
مريم والنّساء القديّسات فى الجلجثة .

مع أن العذراء المباركة كانت قَدْ حُملت بعيدا غائبة عن الوعي بعد اللقاء الحزينِ مع ابنها وهو حاَملا صليبه، إلا أنها استعادتْ وعيَها سريعا؛ لأن حبّها ورغبتها المتوهجة لرُّؤيته مرة أخرى، منحها شّعوراً خارقاً بالقوةِ. ذَهبتْ بصحبة مرافقيها إلى دارِ لعازر حيث تجمعت مارثا والمجدلية وعديد من النِّساءِ القديّساتِ مسبقا. الجميع كن حزانى ومُحبَطات، لكن المجدلية لم تتَمَكّنَ من حبس دموعها وبكائها. لقد بَدأن يسرن من هذه الدّارِ طريق الصّليبِ، بعبارة أخرى، لقد أردن أَنْ يَتْتبعن كل خطوه خطاها يسوع في هذه الرحلةِ الأكثر ألماً. حَسبَت مريم كل خطوةِ، ولَكُونُها أنَيّرتَ بشكل داخلي، أشارت إِلى مرافقيها إلى تلك الأماكنِ التي قَدْ كُرّستْ بآلام خاصة. حينئذ جاز السّيفَ الحادَّ الذى أنبأ به سمعان الشيخ فى البداية في قلبِ مريم, ذلك الولاءِ المؤثر الذى مارسته بشكل ثابت مَنحته مريم لمرافقيها، وهم بدورهم تَركوه لأجيالِ المستقبلِ، عطية ثمينة حقاً، مَُنحَت مِن قِبل إلهنا لأمه الحبيبةِ، والتى جازت من قلبها إِلى قلوبِ أولادها من خلال صّوتِ التّقليد.
عندما وَصلن النِّساءِ القدّيساتِ إلى دار فيرونيكا دَخلنه، لأن بيلاطس وضبّاطه كَانوا في ذلك الوقت يمرون خلال الشّارعِ، فى طريقهم للرجوع. لقد انفجرن باكيات عندما رأين وجه يسوع مطَبوعاً على الشال، وشكرن الرب على تلك العطية التى مَنحَها لخادمته الأمينة. آخذن النّبيذِ الذي منع اليهودِ يسوع من شُرْبِه، وبَدأَن معا المسير نحو الجلجثة. أزداد عددهم إلى حدٍّ بعيد، لأن عديد من الرّجال والنِّساء الأتقياء الذين ملأتهم آلام إلهنا بالرّحمةِ قَدْ انضموا إليهن، وارتقوا ‏الجانبَ الغربيَ للجلجثةِ، حيث المنحدرِ هناك لم يكنَ عظيما. أم يسوع برفقةَ ابنه أختها، مريم أبنه كلوبا ويوحنا وسالومه ذَهبن لحدود الرّصيفِ المستديرِ؛ لكن مرثا ومريم التى لهالى وفيرونيكا ويوحانان وخوزي وسوسنا ومريم أمّ مرقص بَقين مع المجدلية، التي استطاعت أَنْ تسند نفسها بصعوبة.
أسفل الجبلِ كانت هناك مجموعةَ ثالثة من النِّساءِ القدّيساتِ، وكان هناك بعض الأفرادُ المُبَعثَرين بين المجموعاتِ الثّلاث، كانوا يحَملون الرسائل من مجموعة إِلى الأخرِى. الفريسيون الذين يمتطون الجيادِ كانوا يجولون ذهاباً وإيابا بين الشعبِ، وكانت المداخل الخمسة بحراسة الجنودِ الرّومان. ثبتت مريم عينيها على بقعةِ الصلب، ووَقفتْ وكأنها مسلوبة القلب، لقد كان حقاً منظر يُروّعَ ويُمزّقَ قلب أى أمِّ. كان هناك الصليب الرهيب‏، المطارق، الحبال، المسامير، وبمحاذاة آلاتِ التعذيب المخيفةِ هذه وَقف الجلادون المتوحشون، نصف سكارى وتقريباً بلا ملابس، يلعنون ويجدفون، بينما يعدون أنفسهم. ازدادتْ آلام العذراءِ المباركةِ بشّدة لكونها لم تكن قادرة على رؤية ابنها؛ عَرفتْ أنّه ما زالَ حياً، وشَعرتْ برغبة متوهجة فى أَنْ تَنْظره مرة أخرى، بينما التفكيرَ فى العذابِ الذى ما زالَ عليه أَنْ يَتحمّلَه جعِلَ قلبها يفيض بالأسىِ.
كان قليل من الندى قد سْقط خلال بعض أوقات الصّباح، لكن الشّمسَ أشرقت بعد العاشرة، وضباب أحمر كثيف بَدأَ يحجبها نحو الثانية عشرَ.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

الفصل السادس والأربعون
تسمير يسوع على الصّليب


ذهب أربعة جنود إلى المغارة حيث حبسوا يسوع وجروه خارجاً بوحشيتهم المعتادة، بينما الغوغاء ينظرونه ويُهينونه بإهانات بالغة، والتزم الجند الرّومان الحياد، ولم يفكّروا فى شيء سوى بإصدار الأوامر. عندما اقتيد يسوع ثانية، أعطت النّساء القديّسات رجل بعض المال، وناشدنه أن يقدم للجنود أي شئ يطلبوه إن سمحوا ليسوع أن يشرب النّبيذ الذي أعدته فيرونيكا؛ لكن الجنود القساة، بدلا من أن يعطونه ليسوع، شربوه هم.
كان مع الجنود إناءان، إحداها يحتوى على خل ممزوج بالمر، والآخر خليط من نّبيذ الممزوج بالمرّ والحنظل؛ فقدموا قدح من الخمر الممزوجة ليسوع، الذي بعد أن تذوقه، لم يشاء أن يشرب منه.
كان هناك ثمانية عشر جندياً فى موضع الصلب؛ السّتة الذين جلدوا يسوع، الأربعة الذين اقتادوه إلى الجلجثة، اثنان حملا الحبال التي دعمت الصليب، والستة الآخرون جاءوا لغرض صلبه. كانوا يختلفون عن اليهود أو الرومان؛ كانوا رجالا قصار القامة، ذوى مظهر شرس، بالأحرى يشبهون الوحوش، وهم الذين نفذوا عملية الصّلب.
هذا المشهد رأيته بصورة مخيفة برؤية الشّياطين، التى كانت غير ظاهرة للآخرين، رأيت أجساماً كبيرة من الأرواح الشّريّرة تحت أشكال ضّفادع وثعابين وتنانين وحشرات سامّة، يحثونّ هؤلاء الرّجال الأشرار على أن يكونوا بأعظم قسوة، واظلموا الهواء تماما. زحفوا في أفواههم وقلوبهم، جلسوا على أكتافهم، ملئوا أذهانهم بصّور شّريرة، وحرّضوهم على أن يشتموه ويهينوه بكل وحشية.
وقفت الملائكة الباكية حول يسوع، ومنظر دموعهم واساني قليلاً، وقد رافقتهم ملائكة المجد. كانت هناك أيضاً ملائكة الرّحمة وملائكة التّعزية التى كانت تقترب من العذراء المباركة بشكل متكرر ومن بقية الأشخاص الأتقياء الذين تجمّعوا هناك، وهمسوا بكلمات الرّاحة التي مكّنتهم من أن يتحمّلوا الموقف بثبات .
فى الحال نزع الجنود عباءة يسوع والحزام الذي رُبطت به الحبال وحزامه الخاص، عندما وجدوا أنه من المحال أن ينزعوا رداءه الصّوفي الذي كانت أمه قد نسجته له من على رأسه، بسبب تاج الشّوك؛ مزّقوا التاج المؤلم وهكذا تفتحت كل جراحه من جديد، واستولوا على الرداء. وقف إلهنا الحبيب ومُخلصنا عارياً أمام أعدائه القساة إلا من سترة قصيرة كانت على كتفيه، والملابس الكتانية التي تستر عريه. رداؤه الصوفي كان قد التصق بالجراح، ومن المتعذر وصف آلامه عندما نزعوه عنه بالقوة. لقد ارتجف من الألم، لقد كان بغاية الضعف والألم من نزف الدّم حتى أنه لم يتمكّن من أن يسند نفسه أكثر من بضع لحظات؛ لقد تغطّى بالجراح المفتوحة، وكتفاه وظهره قد تمزّقا حتى العظام من الجلد المخيف الذى ناله. لقد كان على وشك أن يسقط عندما أقتاده الجنود إلى حجر كبير وأجلسوه عليه بقسوة، خوفاً من أن يموت، وهكذا يحرمهم من مسّرة صّلبه، لكن ما أن أجلسوه حتى جددوا آلامه بوضع تاج الشّوك ثانية على رأسه. ثم قدموا بعض الخلّ الممزوج بالمر، لكنه لم يشأ أن يشرب واستدار في صّمت.
لم يسمح له الجنود أن يستريح طويلاً، بل أنهضوه ووضعوه على الصّليب الذي سيسمّرونه عليه. ثم أمسكوا بذراعه اليمين وسحبوها حتى الفتحة المعدة للمسمار، وأوثقوها بأحكام بحبل، جثا واحد منهم على صدره، بينما أمسك آخر بيدّه ليجعلها مفتوحة، والثالث أمسك بمسمار غليظ وطويل، غرزه فى راحة يده المفتوحة، التي كانت دوما مفتوحة لتمنح البركات والحسنات لليهود الجاحدين، وبمطرقة حديدية عظيمة جعله يخترق راحة يده وينفذ خلال الفتحة المُعدة من قبل في خشبة الصليب. تأوه يسوع بآهة واحدة عميقة مكتومة، وتدفق دمه وانتثر على أيدي الجنود. كانت المسامير كبيرة جدا، رّؤوسها بحجم قطعة النقود، وسّمكها كسمك إبهام الرجل.
وقفت العذراء المبارك ساكنة؛ من وقت لآخر يُسمع منها صوت أنين حزين؛ بدت كما لو أنها تغيب عن الوعي من الأسى، والمجدلية كانت بجانبها .
بعدما سمر الجنود يدّ يسوع اليمنى، أدركوا أنّ يده اليسرى لن تصل إلى الفتحة التى أعدوها مُسبقاً لنفاذ المسمار فيها، لهذا ربطوا ذراعه اليسرى بالحبال، ودعموا أقدامهم فى الصليب، شدوا اليد اليسرى بقسوة حتى وصلت المكان المُعد لها. هذه العملية المخيفة سبّبت ليسوع آلاماً يتعذر وصفها، صدره ارتفع، ساقاه تقلّصتا تماما. جثوا ثانية فوقه، أوثقوا ذراعيه، وسمروا المسمار الثّاني في يده اليسرى؛ تدفق دمه ثانية، وآهاته الضّعيفة سُمعت أكثر من مرة بين ضربات المطرقة، لكن لا شيء كان ممكن أن يحرّك قلوب هؤلاء الجنود القساة. هكذا امتدّت ذراعا يسوع، لم تعدا تغطّيان ذراعي الصّليب، اللتان كانتا منحدرتين وكان هناك فراغ واسع بينها وبين إبطيه.
كل عذاب وإهانة وقعت على يسوع سبّبت آلاماً جديدة لقلب أمه المباركة؛ لقد صارت شاحبة كجثة، بل أن الفريسيون سعوا لزيادة آلامها بكلمات وإيماءات مهينة، فأخذها التلاميذ إلى مجموعة من النساء التقيات اللاتي كن يقفن على بعد قليل .
ثبت الجنود قطعة من الخشب فى الجزء السفلي من الصّليب حيث ستُسمر قدما يسوع، لأن ثقل جسده لن تتحمله ثقوب راحة يديه، وأيضاً لكى تمنع كسر عظام قدميه عندما تسمّر على الصّليب. كانت هناك فتحة مُعدة فى الخشبة لينفذ فيها المسمار بعدما ينفذ من قدميه، وكان هناك أيضاً مكان صغير مجوف لأجل عقبيه, هذه التدابير الوقائية‏ قد اتخذت خشية أن تتمزق جراحه وتنفتح من قبل ثقل جسده، ويموت قبل أن يعانى كل التّعذيب الذي تمنّوا أن يروه وهو يُقاسيه على الصليب.
جسد يسوع بالكامل قد سُحب لأعلى، وتقلّص من الطريقة العنيفة التي مددّ بها الجنود ذراعيه، وركبتاه تقلصتا لأعلى؛ لهذا فردوها وقيدوها لأسفل بالحبال بإحكام؛ لكن سريعاً أدركوا أن قدميه لن تصلا لقطعة الخشب التي وضعوها لتستقر القدمان عليها وصاروا غاضبين. اقترح بعضهم عمل فتحات جديدة للمسامير الخاصة بيديه، لأنه ستكون هناك صعوبة في إزالة قطعة الخشب، لكن الآخرين لم يتوقفوا وصاحوا : " أنه لن يمدّ نفسه لكننا سنساعده " ورافقت هذه الكلمات الأقسام واللّعنات، وبعد ما ربطوا حبلاً بساقه اليمنى، سحبوها بقسوة حتى وصلت للخشبة، وبعد ذلك ربطوها بإحكام. الآلام التى جازت على يسوع من هذا الشد العنيف لمن المتعذر وصفها؛ " إلهي، إلهي " أفلتت هذه الكلمات من شفاهه، وزاد الجنود من ألمه بربط صدره وذراعيه بالصليب، خشية أن تتمزق الأيادي من المسامير. ثم ثبتوا قدمه اليسرى بقدمه اليمنى، جاعلين أولاً فتحة فيهما بمثقاب, لأنهم لم يستطيعوا أن يضعوهما بمثل هذا الوضع ليسمّرا معاُ. بعد ذلك اخذوا مسماراً طويلاً جدا وأنفذوه بالكامل فى كلتا القدمين وفي الصّليب، لقد أحصيت على الأقل ستة وثلاثون ضربة من المطرقة.
خلال فترة صّلب الرب لم يتوقّف يسوع عن الصلاة، وترديد فقرات من المزامير التي كان يرددها، مع ذلك, من وقت لآخر كان يُسمع أنين ضعيف بسبب زيادة الألم. بهذه الطريقة كان الرب يصلّى عندما كان يحمل صليبه، وهكذا استمرّ يصلّي حتى موته. سمعته يردد كل هذه الّنبوءات وكرّرتها بعده .
عندما انتهى صلب يسوع، أمر قائد الجنود الرّومان أن تُسمر اللوحة التى أمر بها بيلاطس على قمة الصّليب. أثار هذا سخط الفريسيون، وأزداد غضبهم من سخرية الجنود الرّومان، الذين أشاروا إلى ملكهم المصلوب؛ لذا تعجّل الفريسيون فى الرجوع إلى أورشليم وقد قرروا أن يبذلوا أفضل مساعيهم ليقنعوا الحاكم أن يسمح لهم أن يستبدلوا اللوحة بلوحة أخري.
كانت الساعة حوالي الثانية عشر والربع عندما صلب الرب يسوع؛ وفي اللحظة التى أرتفع فيها الصّليب، دوّت أبواق الهيكل، التي كانت تدوي دائما لتعلن عن ذبح حمل الفصح.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

تأمل الرب يسوع
انظرْوا بأية قسوةِ التف حولي هؤلاء الرّجالِ القساة. بعضهم جذب الصّليبِ ووضعوه على الأرضِ؛ الآخرون يُمزّقونَ ملابسي المُلتصقة بجراحي فانفتحت مرة أخرى فتفجرت الدماء منها.
انظروا يا أبنائي الأحباء، بأي خجل وخزي عانيت برُؤيةَ نفسي بهذه الطّريقةِ أمام هذه الحشود الهائلة ِ....أى ألم تجرعته نفسي ؟!
الجلادون يُنزعون ردائي ويلقوا قرعَة علية؛ هذا الرداء كثيرا ما غَطّتني به أمي بكثير من العنايةِ خلال طفولتي، وقَدْ نَما مع نموي. ماذا ستكون أحُزانَ أمي عندما تَتأمّلَ هذا المشهدِ؟ كم كَانتْ ستَرغب أَنْ تَحْتفظَ بذلك الرداءِ، إنه ملوّث الآن ومشبع بدمائي.
لكن السّاعةَ قَدْ حانت ومددني الجلادون على الصّليبِ، أمسكوا ذراعيّ وجذبوهما كى يَصلا للثقوب المُعدة فيه من قبل. كل جسدي تَمزق، لقد تلويت من جانب لآخر وأشواك إكليل الشوك اَنغرست بصورة أعمقَ في رأسي. أصغْوا إلى الضّربةِ الأولىِ للمطرقةِ التي سَمّرتَ يديّ اليمني...أن صوتها يَدوّي حتى أعماقِ الأرضِ.... أصغوا أكثر ... ها هم يُسمّرونَ يدى اليسرى، أمام مثل هذا المنظرِ، ارتعدت السّماوات، وطرحتُ الملائكة نفسهما. لقد اَحتْفظُت بأعمق صّمتَ. لا شكوىُ، ولا أنينُ أفلت من شفاهي، لكن دموعي اَختلطُت بالدّماءِ التى غَطت وجهي.
بعد ما سَمّروا يديّ، جذبوا قدمّي بقسوة... تَفْتحتُ جراحي، تمزقت أعصاب يديّ وذراعيّ، تَخْلعت العظام... أن الآلام لرهيبة! قدماي تُسمّرتاُ ودمي تخلل الأرضَ!....
تأمّلْوا للحظةِ هذا الدّمِ الذى لَطّخَ الأياديَ والأقدامَ ....تأمّلْوا هذا الجسدِ العاريِ، هذا الجسد المُغَطّى بالجراحِ والعرق والدم والأوَساّخْ .... تأملوا هذه الرّأس المثقوبة بالأشّواكِ الحادّةِ، المنقّوعة في العرقِ، المملوءة بالترابِ والمُغَطاة بالدّمِاء .
تعجبوا من الصّمتَ، تعجبوا من الصّبر والخضوع الذي قْبلُت به كل هذا الآلام. من الذى تألم بمثل هذا، من الذى ضحى بمثل هذا الإذلالِ؟ إنه ابن الإله! إنه من صنع السّماوات، إنه من أوجد الأرض والبحار، إنه من صنع كل الموجودات .... أنه خاَلقَ الإنسان، أنه من ثبّت المسكونة بقدرته الأزلية... أنه هناك بلا حراك, مُحتَقَراًُ، عارياً، وستتبعه حشود من النفوس التى ستَتْركُ من أجله الممتلكات الدنيوية، سيتركون من أجله العائلة والأوطان، سيتركون الكرامة ومحبة الذات، سيتركون مجد العالم وكل ما هو ممكن أَنْ يَكُونَ ضروري, وسيتبعونه كى يَعطوه المجد ويُظهروا له الحبّ الذى يُكنوه له
تفطني يا ملائكة السماء، وأنتم أيضاً يا أحبائي ... ها هم الجنود سيقلبون الصّليب على ظهره، ليثبّتوا المسامير حتى لا تنخلع بتأثير ثقل جسدي مما قد يؤدى إلى أن أسقط. ها هو جسدي سيعطي الأرض قبلة السّلام الآن. وبينما كان صوت المطارق يدوى خلال الفضاء الخارجي، اكتمل عند قمة الجلجثة المشهد الأكثر من رائع .... وبناء على طلب أمي التي عايشت كل ما كان يَحْدثُ وبَكُونهاُ كانت عاجزة عن أَنْ تُعطيني الراحة، التمست الرحمةَ من أبي السّماوي.... َنْزلت طغمات من الملائكةِ كى تُمجّدَ جسدي، وكي تبقيه هكذا كى لا يَمْسُّ الأرض، لتجنّبهَ أن ينَسْحق تحت ثقل الصّليبِ.
تأمّلواْ يسوعكَم، مُعلقاً على الصّليبَ، عاجزاً عن القيام بأدنى حركة... عارياً، بلا سمعة، بلا شرف، بلا حرية... لقَدْ سلبوا منه كل شيء! لم يكن هناك من يشفق عليه ويَشْعرُ بالآسف لآلامه! أنه فقط من يتلقى العذاب والسخرية والهزء! إن كنتم تَحْبونّني حقاً، فهَلْ سَتَكُونونُ مستعدينَ أنْ تقتدوا بى؟ ما الذى سَتَرْفضُونه كى تُطِيعوني، كى تُسروني وتَواسوني؟ اطرحوا ذواتكم على الأرض ودعوني أُقول لكم بضع كَلِماتَ: ليت مشيئتي تملك عليكم! ليت محبّتي تسحقكم ! ليت آلامكم تُمجّدني!

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

الفصل السابع والأربعون
نصب الصّليب

عندما انتهى الجنود من صلب يسوع، ربطوا الصليب بالحبال، وثبتوا نهايات هذه الحبال حول دعامة ثبّتت بشكل قوي في الأرض علي بعد قليل، وبهذه الحبال نصبوا الصّليب. البعض منهم سندوه بينما دفع الآخرون قاعدته نحو الحفرة المعدّة لتثبيته, سقط الصليب الثّقيل في هذه الحفرة بصدمة هائلة، تأوه يسوع بصرخة واهنة، وتمزّقت جراحه بطريقة مخيفة وتفجرت دمائه ثانية، وعظامه النّصف مخلوعة أحتك بعضها ببعض. دفع الجنود الصّليب ليجعلوه بشكل شامل في الفتحة، وجعلوه يتأرجح ليغرسوا خمسة أوتاد ليثبتوه .
منظر رهيب، لكن في نفس الوقت مؤثر أن تنظر الصّليب منتصباً في وسط حشد عريض من الأشخاص الذين تجمّعوا جميعاً حوله؛ لم يكن هناك الجنود والفريسيين المفتخرون وغوغاء اليهود القساة فقط، بل كان هناك أيضاً غرباء من كل الجهات.
لقد رددوا فى الفضاء هتافات ونّداءات سّاخرة عندما نظروا الصليب مرتفعاً عالياً، الذى بعدما تأرجح للحظة في الجو، سّقط بصدمة عنيفة في الفتحة التى أُعدت له في الصّخور. لكن دوّت فى الفضاء في نفس اللّحظة كلمات الحبّ والشّفقة؛ وهذه الكلمات والأصوات صدرت من الكلية القداسة, مريم العذراء, ويوحنا والنّساء القديّسات وكل أنقياء القلب, لقد ركعوا ومجّدوا الكلمة الذى صار جسداً مسمّراً على الصّليب؛ مدّوا أياديهم كما لو إنهم يتوقون أن يٌعينوا قدّوس القديسين، الذي نظروه مسمّراُ على الصّليب. لكن عندما سُمع صّوت سقوط الصّليب في الفتحة المعدةّ له في الصّخر، ساد صمت رهيب، امتلأ كل قلب بشعور غامض من الرّهبة والحنو لم يحدث أن جُرّب من قبل مطلقا، ولا يستطيع أحد أن يصفه حتى لنفسه؛ كل سجناء جهنم ارتجفوا بالرّعب، ونفّسوا عن تهيّجهم بالسعي إلى تحريض أعداء يسوع أن يواصلوا غضبهم ووحشيتهم؛ النفوس التى في عالم الانتظار امتلئوا بالبهجة والأمل، لأن الصّوت كان بالنسبة لهم بشير السعادة، مقدمة لظهور مُحررهم. هكذا زٌرع الصّليب المُبارك لإلهنا لأول مرة على الأرض؛ وجيّداً أن نقارنه بشجرة الحياة التى في الفردوس، لأن جراح يسوع كانت كينابيع مقدّسة، يتدفّق منها أربعة أنهار تستطيع أن تنقّي العالم من لعنة الخطيئة، وأن تعطيه خصوبة، لكي ينتج ثمار الخلاص.
الربوة التى غُرس الصّليب عليها كانت تعلو حوالي قدمين عن الأجزاء المحيطة بها؛ كانت قدمي يسوع قريبة من الأرض بما يكفى لأحبائه أن يصلوا إليها ليقبّلوها، ووجهه كان يتجه نحو الشمال الغربي.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

الفصل الثامن والأربعون
صلب اللّصين

خلال وقت صلب يسوع، تُرك اللّصان راقدين على الأرض على مسافة قليلة؛ أياديهم مقيدة، ووقف بقربهما بعض الجنود. الاتهام الذي كان قد ثبت ضدهم أنهما اغتالا امرأة يهودية كانت مسافرة مع أطفالها من أورشليم إلى يافا. وكانا قد سجنا لوقت طويل قبل أن يُحاكما. اللّص الذى وُضع على الجانب الأيسر كان أكبر سناً بكثير من الآخر وكان يُدعى جيماس؛ لقد كان أثيماً مُحترفاً، وهو الذي افسد الأصغر الذى كان يدعى ديماس وهو اللص اليمين. كلاهما كانا ينتميان إلى عصابة من اللّصوص التى روعت تخوم مصر؛ وكانا يسكنان مغارة عندما كانت العائلة المقدسة هاربة إلى مصر، في وقت مذبحة الأطفال. الطّفل المسكين المصاب بالبرص، الذي برأ فى الحال بمجرد أن غُمر في الماء الذي كان قد استخدم لاستحمام الطفل يسوع، لم يكن سوى ديماس هذا، ومحبة أمّه، باستقبال وإكرام العائلة المقدّسة، قد كوفئ بعلاج طفلها؛ بينما كانت هذه التّنقية الخارجية رمزاً للتّنقية الدّاخلية التى تحققت بعدئذ في نفس ديماس على جبل الجلجثة، من خلال ذلك الدّم المقدّس الذي كان يُراق حينئذ على الصّليب لأجل فدائنا. لم يكن ديماس يعرف شيئاً على الإطلاق عن يسوع، لكن لأن قلبه لم يكن قاسياً، منظر الصّبر الهائل ليسوع أثر فيه كثيراً.
عندما أتم الجنود رفع صليب يسوع، أمروا اللّصين أن ينهضا بلا تأخير، وحلّوا قيودهم من أجل أن يصلبا فى الحال، لأن السّماء صارت مُكفهرة جدا مُنذرة باقتراب زوبعة. بعد إعطائهما بعض المرّ والخلّ، نزعوا لباسهما وربطا الحبال حول أياديهم، وبمساعدة سّلالم صّغيرة جروهما إلى أماكنهما على صّليبيهما. ثم قيد الجنود أياديهم إلى الصليبين بالحبال، وقيدوا رسغيهما وكوعيهما وركبهما وأقدامهما أيضاً، جذبوا الحبال جدا حتى تكسرت مفاصلهما وتدفق الدم منها وصرخا بصرخات حادة، واللص اليمين صاح بينما كانوا يجذبونه لأعلى " أن هذا العذاب لمخيف، لكن إن كانوا عاملونا كما عاملوا هذا الجليلى المسكين، لكنا هلكنا منذ فترة طويلة."
قسّم الجنود ملابس يسوع، من أجل أن يجروا قرعة بينهم؛ عباءته، وردائه الأبيض الطّويل والحزام والثوب الداخلي الذي تشبع بالكامل من دمه المقدّس. ولأنهم لم يتفقوا من سيصبح مالك العباءة التى نسجتها أمه والتى بلا خياطة والتى لا يمكّن أن تُقطّع وتُقسّم، أحضروا ما يشبه رقعة الشطرنج مرسومة بأشكال، وكانوا على وشك أن يلقوا قرعة، عندما أعلمهم رسول، مُرسل من قبل نيقوديموس ويوسف الرامى، أن هناك من يريد أن يشترى كل ملابس يسوع؛ حينئذ جمّعوا كل ثيابه وباعوها كلها معا وهكذا تملك المسيحيون هذه الآثار المقدَّسة‏ الثّمينة

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

الفصل التاسع والأربعون
يسوع مُعلق على الصّليب بين لّصين

الهزّة الهائلة التى سببها سقوط الصّليب في الفتحة المُعدّة له جعلت الحواف الحادّة لتاج الشّوك، الذى كان ما زال على رأس مُخلصنا الحبيب، تنغرس بصورة أعمق في جسده المقدّس، وسال الدم لأسفل ثانية من رأسه ومن يديه وقدميه. ثم وضع الجنود سلالم على الصليب وصعدوا عليها وحلّوا الحبال التي كانت تقيد يسوع بالصليب .
دمه كان قد صار، بدّرجة معينة، راكدا فى موضعه الأفقي من ضغط الحبال، لكن عندما حلٌت الحبال، استأنف دمه جريانه المعتاد، وتسبّب حل الحبال فى ألام من جراحه الغير معدودة، حتى أنه أحنى رأسه، وبقى كما لو أنه ميت لأكثر من سبع دقائق. أنشغل فيها الجنود بتقسيم ملابسه؛ أبواق الهيكل لم تعد تدوّي؛ وكل فاعلي هذه المأساة المخيفة بدوا منهكين من الجهود التى بذلوها ليتمموا مهمتهم الشّريرة، وابتهج اليهود لنجاحهم أخيرا في جلب الموت إلى من حسدوه طويلا.
بمشاعر مختلطة من الخوف والشّفقة وجهت عيناي نحو يسوع، يسوع فاديّ، مُخلص العالم. رأيته ساكناً، بلا حياة تقريبا. شعرت كما لو أنى أنا نفسي يجب أن أنتهي؛ غُمر قلبي بالأسى والحبّ والفزع؛ فكرى كان نصف تائه، يداي وقدماي مشتعلتان بحرارة محمومة؛ كل عروقي وأعصابي وأطرافي أجهدت بألم متعذر وصفه؛ لم أر شيء بشكل متميّز، باستثناء عريسي الحبيب مُعلقاً على الصّليب. تأمّلت مُحياه المشوّه، رأسه المطوّق بتّاج الشّوك، فمه جَاف‏ ونصف مفتوح من الإعياء، شعر رأسه ولحيته مُلبد بالدّم. صدره مُمزّق ومجروح من ضربات العصي، كوعيه ورسغيه وكتفيه متورمين بشدة وتخلعوا تقريبا؛ يسيل الدم بشكل ثابت لأسفل من الجراح المفتوحة في يديه، واللّحم قد تمزّق عن ضلوعه التي كان ممكن إحصائها. ساقاه وفخذاه، مثل ذراعيه أيضاً، قد شُدت تقريبا حتى الخلع، اللّحم والعضلات بالكامل متعرّية حتى أن كل عظمة كانت مرئية، وجسده بالكامل تغطّى بجراح متضرَّجة بالدم‏. الّدم الذي تدفّق من جراحه كان في بادئ الأمر أحمر، لكنه اصبح خفيف ومائي، وكل مظهر جسده كان مظهر جثة جاهزة للدّفن. ومع ذلك، على الرغم من الجراح المروّعة التي تغطّى بها، على الرغم من حالة العار التي قد آل إليها، كانت ما زالت هناك تلك النّظرة المتعذر وصفها, نظرة النبل والطّيبة التي ملأت كل المشاهدين بالرّهبة.
وُضع صليبا اللّصين واحد على يمين صليب يسوع والآخر على يساره؛ كانت هناك مسافة كافية متروكة لراكبي الخيول ليجولوا بينهم. مظهر اللّصين على صليبيهما كان من الصعب تخيله؛ لقد عانا بشدة، والذي على الجانب الأيسر لم يتوقّف عن اللعن والسب. الحبال التي قُيدا بها كانت ضيّقة جدا، وسبّبت لهما آلاماً عظيمة؛ منظرهما كان شاحباً، وأعينهم ملتهبة وعلى وشك أن تُقتلع من محاجرها. علو صليبي اللّصين كان أقل بكثير من علو صليب يسوع .

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

الفصل الخمسون
كلمات يسوع على الصّليب
إظلام الشّمس

ما أن أنتهي الجنود من صلب اللّصين وتقسّيم ملابس يسوع بينهم، حتى جمّعوا أدواتهم ووجهوا بضع كلمات مُهينة إلى الرب يسوع وذهبوا. أنطلق الفريسيون أيضاً إلى يسوع ونظروا إليه باحتقار، وتكلموا ببعض التّعبيرات المخزية، وبعد ذلك تركوا المكان. رحل الجنود الرّومان، الذين كان مائة منهم يحيطون بالجلجثة، وجاء مكانهم خمسون آخرين، تحت قيادة ابن ادار، العربي المولد، الذي اخذ بعد ذلك اسم كتسيفون في المعمودية؛ والثّاني في القيادة كان كاسيوس، الذي أصبح مسيحيا وُعرف باسم لونجينوس؛ وقد استخدمه بيلاطس بشكل متكرر كرسول. سعى اثنا عشر فريسيا واثنا عشر من الصدوقيين وعديد من الكتبة وبضع شيوخ إلى بيلاطس ليقنعوه بتغييّر اللوحة التى وُضعت على صليب يسوع، جاءوا الآن غاضبين لأن الحاكم الرّوماني رفض مطلبهم. انطلقوا حول الموضع وعندما عبروا بجوار صليب يسوع هزّوا رؤوسهم بازدراء‏ صائحين : " يا هادم هيكل الرب وبانيه في ثلاثة أيام، أنقذ نفسك, انزل عن الصّليب. فلينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصّليب، حتى نرى ونؤمن " استهزأ الجنود أيضاً منه .
وجه يسوع وكل جسده أصبح أكثر شحوباً: بدا على وشك أن يفقد الوعي، وجيماس اللّص الذى على يساره صاح "إن الشّيطان الذي بداخله على وشك أن يتركه" حينئذ أخذ جندي إسفنجه وملأها بالخلّ، وضعها على قصبة وقدّمها إلى يسوع، الذي بدا أنه يشرب. حينئذ قال له الجندي " إن كنت أنت ملك اليهود، أنقذ نفسك وانزل عن الصّليب " حدثت هذه الأمور خلال الفترة التي كانت تُستبدل فيها فرقة الجنود الأولى بفرقة ابن ادار. رفع يسوع رأسه قليلاً وقال : "أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون. " وصرخ جيماس : " إن كنت أنت المسيح، أنقذ نفسك وإيانا " ديماس اللّص الذى على اليمين ظل صامتاً، لكنه تأثر بعمق من صلاة يسوع من أجل أعدائه.
عندما سمعت العذراء مريم صوت ابنها، لم تستطع أن تمنع نفسها، أسرعت للأمام وتبعها يوحنا وسالومه ومريم التى لكلوبا، واقتربوا من الصّليب، حيث لم يمنعهم القائد الروماني العطوف.
أعطت صلوات يسوع اللّص الذى على اليمين نعمة أكثر قوة؛ فتذكّر فجأة أنه يسوع ابن مريم الذي شفاه من البرص في طفولته وصاح بصوت عال وواضح فى زميله :" كيف تهينه هكذا بينما يصلّي هو من أجلك؟ لقد كان صامتاً، وعانى كل إساءتك بصّبر؛ إنه حقا نبياً, إنه ملكنا, إنه ابن الرب. " سبّب هذا التّأنيب الغير متوقّع من شفاه شرير بائس على وشك أن يموت على الصليب اضطراباً كبيراً بين الموجودين؛ فجمّعوا حجارة، ورغبوا أن يلقوها عليه؛ لكن ابن ادار القائد الروماني لم يسمح لهم بذلك.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

واست صلاة يسوع العذراء المباركة كثيراً وقوّتها، وقال ديماس لجيماس، الذي كان ما زال يجدف على يسوع " ألا تخاف الرب، ها أنت تحت نفس الإدانة. ونحن نُعاقب بعدل، لأننا ننال نظير أعمالنا؛ لكن هذا الرجل لم يفعل شراً. تذكّر أنك الآن على وشك الموت وتب " لقد استنار وتأثر واعترف بآثامه إلى يسوع وقال : " إلهى، إن أنت أدنتني فذلك سيكون بعدل. " فأجابه يسوع " إنك ستختبر رحمتي" . بدأ ديماس فى الحال وقد امتلأ بالنّدم، يشكر الرب لأجل النّعم العظيمة التى نالها، وتأمل فى الآثام التى اقترفها فى حياته الماضية.
كل هذه الأحداث حدثت بين الثانية عشرة والثانية عشرة والنّصف بعد الصّلب بقليل؛ لكن حدث تغيير عجيب فى مظهر الطّبيعة أدهش الحاضرين وملأ فكرهم بالرّهبة والرّعب.
كان قليل من البرّد قد سقط حوالي الساعة العاشرة، عندما كان بيلاطس يُجيز العقوبة، وصفا الجو بعد ذلك حتى نحو الثانية عشر، حيث بدأ ضباب كثيف محمر يحجب الشّمس. نحو السّاعة الثانية عشر أظلمت الشّمس فجأة.
لقد كُشف لى السّبب لهذه الظّاهرة؛ لكنى على نحو يؤسَف له‏ نسيته جزئياُ، والذي لم أنسه لا أستطيع أن أجد الكلمات لأعبر عنه؛ لكنى أستطيع القول بأنني قد أُصعدت من الأرض، ونظرت النّجوم والكواكب تتحرّك حول مداراتها الصّحيحة. ثم رأيت القمر مثل كرة هائلة من النّار تتدحرج كما لو أنها تطير من الأرض. ثم عدت فجأة إلى أورشليم، ورأيت القمر يظهر ثانية وراء جبل الزّيتون، يبدو شاحباً وكاملاً، وتقدّم بشكل سريع نحو الشمس, التي كانت معتمة ومُلبدة بالضباب. رأيت في شرق الشّمس جسماً مظلماً كبيراً له مظهر الجبل، والذي أخفى الشّمس بالكامل فى الحال. صارت السّماء أكثر ظلمة وظهرت النّجوم تسكب نوراً أحمر بشعاً. كل من الإنسان والحيوان أصيبوا بالرّعب؛ توقف أعداء يسوع عن سبه، بينما سعا الفريسيين أن يقدموا أسباب فلسفية لما يحدث، لكنهم فشلوا في محاولتهم ولزموا الصمت. كثيرون استولى عليهم النّدم وقرعوا صدورهم صارخين : " ليقع دمه على قاتليه! " آخرون سواء كانوا قرب الصليب أو بعيدين عنه، سقطوا على ركبهم وتوسّلوا أن يغفر يسوع لهم، أدار يسوع عينيه بحنو نحوهم في وسط آلامه. واستمرّت الظّلمة فى ازدياد، وترك الجميع الصّليب باستثناء العذراء مريم ورفاق يسوع المخلصين.
رفع ديماس رأسه حينئذ، وبنغمة متواضعة وبرجاء قال ليسوع " إلهى، تذكّرني عندما تجيء إلى ملكوتك". وأجابه يسوع " الحق أقول لك, أنك اليوم ستكون معي في الفردوس ", وقفت المجدلية ومريم التى لكلوبا ويوحنا بقرب صليب الرب يسوع ونظروا إليه، بينما توسّلت العذراء المباركة إلى ابنها، ممتلئة بالمشاعر الحبّ الأمومي الشديد، أن يجيز لها أن تموت معه، لكنه ألقي نظرة رّقيقة عليها تفوق الوصف والتفت إلى يوحنا وقال : يا امرأة، هو ذا ابنك " ثم قال ليوحنا : " ها هى ذى أمك " نظر يوحنا إلى فاديه المحتضر وحيّا هذه الأمّ المحبوبة التي اعتبرها من ذلك الوقت أمه بأسلوب بغاية التوقير. غلب الحزن العذراء المباركة من كلمات يسوع هذه فغابت عن الوعي تقريبا، وحُملت إلى مسافة صغيرة من الصّليب من قبل النّساء القديّسات.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

لقد شعرت بشكل داخلي أن يسوع أعطى مريم إلى يوحنا كأمّ، ويوحنا إلى مريم كابن. فى رّؤى مشابهة كنت أشعر غالبا بالأشياء الغير مكتوبة، والكلمات ممكن أن تُظهر فقط جزء منها، أن مدلولها يكون واضحاً ولا يتطلّب أي تفسير. لهذا السبب لم أندهش لكون يسوع يدعو العذراء المباركة يا امرأة، بدلا من أن يدعوها يا أمي. لقد شعرت أنّه قصد أن يبرهن أنّها هى تلك المرأة التى تكلّم عنها في الكتاب المقدّس التي ستسحق رأس الحية، وأنه فى تلك اللّحظة قد تحقق ذلك الوعد بموت ابنها. لقد عرفت بأنّ يسوع، بإعطائها كأمّ إلى يوحنا، أعطاها أيضا كأمّ إلى كل من يؤمنون به، الذين صاروا أبناء الرب، ولم يولدوا من لّحم ومن دّم، أو من مشيئة إنسان، بل من الرب وُلدوا. لم يبدوا لي مفاجئاً أن الأكثر طُهراً، الأكثر تواضعا، والأكثر طاعة بين النّساء، التي، عندما حياها الملاك دعاها " الممتلئة نّعمة " أجابت على الفور " ها أنا آمة الرب، ليكن لي كقولك " والتى صار الكلمة فى الحال فى رحمها المقدّس جسداً، التي، عندما اعلمها ابنها المحتضر أنها ستصبح الأمّ الرّوحية لأبن آخر، أجابت بنفس الكلمات بطاعة متواضعة، وتبنت فى الحال كل أبناء الرب كأولاد لها وأخوة ليسوع المسيح. أن هذه الأمور أسهل أن تشعر بها بنعمة الرب أكثر من أن يًعبر عنها‏ بالكلمات. أتذكّر مرة قال لى فيها عريسي السّماوي " أن كل شيء يُدمغ في قلوب أولاد الكنيسة الذين يؤمنون ويترجون ويحبون "
كانت حوالي الساعة الواحدة والنّصف عندما آُخذت إلى أورشليم لأرى ما يحدث. كان السّكان هناك بغاية الرّعب والقلق؛ الشّوارع مظلمة وكئيبة، وبعض الأشخاص كانوا يلتمسون طرقهم بها، بينما الآخرون، جلسوا على الأرض ورؤوسهم مُغطاة ويقرعون صدورهم، أو يصعدون لأسطح بيوتهم، ينظرون إلي السّماء وينفجرون في بكاء مرّ. حتى الحيوانات أطلقت نداءات حزينة، واخفت نفسها؛ الطّيور طارت وحطت على الأرض. رأيت بيلاطس يتشاور مع هيرودس على حالة الانزعاج السائدة, كلاهما كان مضطربا بشدة، وتأمّلا مظهر السّماء من الشرفة التى كان يقف بها هيرودس عندما اسلّم يسوع ليُهان من قبل الرّعاع الغاضبين. صاح كلاهما : " أن هذه الأحداث ليست من السياق الشائع للطّبيعة، لابد أن يكون سببها غضب الآلهة التى استاءت من القسوة التي لاقاها يسوع الناصري" , أحاط الجنود ببيلاطس وهيرودس بينما كانا يتجهان بخطي مرتعشة متعجلة إلى قصر هيرودس. التفت بيلاطس برأسه عندما عبر جباثا التى حكم فيها على يسوع بالصلب، الميدان كان فارغاً تقريبا؛ بضعة أشخاص كانوا يرون عائدين لبيوتهم بأسرع ما يستطيعون، وآخرون يركضون ويبكون، بينما ظهرت مجموعتان صغيرتان أو ثلاث على البعد.
أرسل بيلاطس فى طلب بعض الشيوخ وسألهم عن ما تنذر عنه هذه الظّلمة العجيبة فى رأيهم، وقال إنّه يعتبرها برهاناً رهيباً عن غضب إله اليهود بصلب الجليلي، الذي كان بكل تأكيد نبيهم وملكهم وأضاف أنّه ليس عليه شيء ليلوم نفسه عليه، لأنه غسل يديه من القضية بالكامل، وأنه بهذا برئ تماما. كان الشيوخ قساة كعادتهم دوماً وأجابوا بنغمة متجهّمة، أنه ليس هناك شيء غير طبيعي فى سياق الأحداث وأنه ممكن تعليل الظلمة بسهولة من قبل الفلاسفة، وإنهم ليسوا نادمين على أي شئ مما فعلوه. على أية حال، فقد آمن عديد من الأشخاص ومن بينهم أولئك الجنود الذين وقعوا على الأرض من كلمات يسوع عندما أُرسلوا ليعتقلوه في بستان الزّيتون.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

تجمّع الرّعاع أمام دار بيلاطس، وبدلا من الصياح " أصلبه، أصلبه! " الذي دوّى في الصّباح، سُمع فقط صيحات " فليسقط القاضي الجائر! ليقع دم هذا الرجل البار على قاتليه! ". كان بيلاطس منزعجاً كثيراً؛ طلب حرّاس إضافيين، وسعى أن يضع كل اللائمة على اليهود. أعلن ثانية أن الجريمة لم تكن جريمته؛ أنه لم يكن له موضوع مع يسوع، وإنهم من جلبوا له الموت على نحو ظالم، وإنه كان ملكهم ونبيهم وقدّوسهم؛ وبالتالي هم فقط المذنبون، كما يجب أن يكون واضحاً للجميع أنه أدان يسوع فقط من قبل الإكراه
عجّ الهيكل باليهود الذين كانوا مُعتزمين ذبح حمل الفصح؛ لكن عندما ازدادت الظّلمة إلى هذه الدرجة حتي أنه كان من المحال أن تُميّز شخصاً من الأخر، استولى عليهم الخوف والرعب والفزع وعبروا عن ذلك بصرخات الحزن والبكاء. سعى رؤساء الكهنة إلى أن يفرضوا السكون والهدوء. أُشعلوا كل القناديل؛ لكن الاضطراب كان يتعاظم فى كل لحظة، وبدا حنان مشلولاً تماما بالرّعب. لقد رأيته يسعي ليختبئ فى موضع وبعد ذلك في موضع آخر.
عندما تركت الهيكل، ومشيت فى شّوارع أورشليم ، رأيت أبواب ونوافذ البيوت تهتز كما لو أنها في زوبعة، مع أن الهواء كان ساكناً، وكانت الظّلمة تزداد كثافة فى كل لحظة .
الذّعر الناتج عن الظّلمة المفاجئة في جبل الجلجثة كان متعذراً وصفه. عندما بدأت، كان تشويش جلبة المطارق وصخب الرّعاع وصراخ اللّصين عند تقيدهما إلى صليبهما وأحاديث‏ الفريسيون المُهينة، وتقيم الجنود وصيحات الجنود السكارى، كان كل ذلك قد يستغرق بالكامل انتباه كل شخص، والتّغيير الذي كان يجيء تدريجياً على وجه الطّبيعة لم يكن يلاحظه أحد؛ لكن ما أن ازدادت الظّلمة حتى توقف كل صوت، وأخذ الندم والرعب يملكان على كل قلب، بينما ابتعد الحاضرون كل واحد عن الآخر وابتعدوا عن الصّليب.
تلي ذلك أن أعطي يسوع أمه إلى القديس يوحنا، وفقدت الوعي جزئياً وحُملت بعيداً لمسافة قليلة. بينما استمرت الظّلمة تزداد بصورة أكثر كثافة، الصّمت صار مّذهلاً تماما؛ بدا كل شخص فى رعب؛ نظر البعض نحو السّماء، بينما التفت الآخرون نحو الصّليب، كانوا ممتلئين بالنّدم وقرعوا صدورهم وآمنوا. مع أن الفريسيون كانوا في واقع الأمر منزعجين تماما بنفس القدر كالآخرين، إلا إنهم سعوا في بادئ الأمر أن يبدوا متماسكين لما يحدث، وأعلنوا إنهم لا يروون أي شيء غير قابل للتفسير في هذه الأحداث؛ لكن أخيرا فقدوا سلامهم وفّضلوا الصمت.
كان قرص الشّمس كان قد صُبغ بالظلمة، كان بالأحرى يشبه جبلاً عندما يُشاهد بضوء القمر ومُحاط بحلقة نارية ساطعة؛ ظهرت النّجوم، لكنّ ضّوئها كان محمراً وشاحباً؛ كانت الطّيور بغاية الفزع وحطت على الأرض؛ البهائم ارتعدت وناحت؛ خيل وحَمير‏ الفريسيون زحفت أقرب ما يمكن لبعضها البعض، ووضعوا رؤوسهم بين سيقانهم. اخترق الضّباب السّميك كل شيء.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

خيم السّكون حول الصّليب. يسوع مُعلّقا عليه وحيداً؛ متروكاً من قبل الجميع، من التلاميذ والمعارف والأصدقاء، حتى أمه أبعدوها من جانبه؛ ولا شخص واحد من الآلاف الذين أغدق عليهم بالمنافع كان قريباً منه ليقدم له أدنى تّخفيف لمعاناته المرّة، نفسه كانت ملآنة بشعور متعذر وصفه من المرارة والأسى، كل شئ داخله كان كئيباً ومظلماً وبائساً. الظّلمة التي خيمت حوله كانت مجرد رمز لما انتشر داخله؛ وعلى الرغم من هذا التفت إلى أبيه السّماوي وصلّى من أجل أعدائه، مقدماً كأس آلامه لأجل فدائهم، استمرّ يصلّي كما كان يفعل خلال كل آلامه، وكرّر أجزاء من تلك المزامير التى تّنبأت عنه والتى تتحقق فيه الآن ورأيت الملائكة تقف حوله.
نظرت ثانية إلى يسوع, عريسي الحبيب, على صليبه، معذّباً ويحتضر، ومع ذلك ما زال في عزلة كئيبة. لقد تحمل في تلك اللّحظة الألم الذي لا يستطيع أن يصفه قلم، لقد شعر بذلك الألم الذي يغمر إنساناً ضعيفاً مسكيناً حُرم فى لحظة من كل تّعزية، سواء إلهية أو بشرية، وبعد ذلك يُرغم على عبور صّحراء عاصفة بمفرده، بدون أي معونة أو نور، مُدعوماً فقط بالإيمان والرجاء والمحبة.
أن آلامه كان متعذر وصفها؛ لكن من قبلها نحن استحققنا نّعمة ضرورية لنقاوم ذلك الأغراء الذى سيهاجمنا ليجعلنا نيأس في سّاعة الموت، تلك السّاعة المروِّعة‏ عندما سنشعر بأنّنا على وشك أن نترك كل ما هو عزيز علينا هنا على الأرض. عندما يفقد ذهننا الضعيف من قبل المرض قوة التّفكّير، وحتى آمالنا فى الرّحمة والمغفرة تصبح مغلّفة بالغشاوة والشك، حينئذ علينا أن نهرب إلى يسوع، نوحّد مشاعرنا بالعزلة مع مشاعر العزلة المتعذر وصفها التي تحمّلها على الصّليب، ونكون واثقين من الحصول على غلبة مجيدة على أعدائنا. لقد قدم يسوع إلى أبيه السّرمدي فاقته وهجره وأعماله، وقبل كل شيء، الآلام المرة التى سبّبتها تحمّله لها في التّكفير عن آثامنا وضعفاتنا؛ لهذا لا أحد قد وحّد نفسه بيسوع في أحضان كنيسته يجب أن ييأس في تلك اللّحظة المرعبة التى تسبق خروجه من هذه الحياة، حتى لو كان محروماً من كل بصيص الوعي والرّاحة؛ لأنه يجب أن يتذكّر حينئذ أنّ المسيحي لم يعد ملزما أن يدخل هذه الصّحراء المظلمة وحيداً وغير محمياً، لأن يسوع قد تحمل عنا بهذا الترك الذى عاناه على الصليب سواء الهجر الدّاخلي أو الخارجي ما كان ينبغى أن نشعر به فى لحظة الموت، بِناء على ذلك‏ فإنه لن يُترك ليتغلب على مشكلات‏ الموت بمفرده، أو يعانى من أن يترك هذا العالم بترك الرّوح، محروماً من التّعزية السّماوية. لهذا يجب أن نترك كل الخوف من الوحدة واليأس في الموت؛ لأن يسوع، الذي هو نورنا الحقيقي والطّريق والحق والحياة، قد سبقنا فى ذلك الطّريق الكئيب، لقد نشره بالبركات، ورفع صليبه فوقه، لمحة واحدة عليه ستهدّئ كل خوفنا.
لقد قدم يسوع وصيّته لأبيه وأورث استحقاقات موته وآلامه إلى الكنيسة وإلى الخطاة. لم تُنس نفس مُخطئة واحدة؛ لقد فكّر فى كل شخص؛ مصّلياً، أيضاً، حتى من أجل أولئك الهراطقة الذين سعوا إلى إن يبرهنوا بأنّه لكونه إلهاً فأنه لم يُعانى كإنسان. إن الصراخ الذي سُمح أن يعبر على شفاهه في علو معاناته لم يدل فقط عن زيادة الآلام التى كان يتحمّلها حينئذ، بل كانت أيضاً ليشجّع كل النفوس المبتلية التي تعترف بالرب كأبيها أن تضع حزنها بثّقة بنوية عند قدميه.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

لقد كانت نحو الساعة الثالثة عندما صرخ يسوع بصوت عال : " إلوي، إلوي لما شبقتني ؟ " التى معناها " إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ " هذه الكلمات لإلهنا قطعت الصّمت المميت الذي استمرّ طويلاً؛ التفت الفريسيون نحوه، وقال واحد منهم : " ها هو ينادى إيليا " وآخر قال " فلنرى إن كان إيليا سيجيء لينجيه " . عندما سمعت مريم صوت ابنها الإلهي، كانت عاجزة عن أن تمنع نفسها أكثر، بل اندفعت للأمام، ورجعت إلى أقدام الصّليب، وتبعها يوحنا ومريم التى لكلوبا ومريم المجدلية وسالومة.
كانت فرقة من حوالي ثلاثين خيالاً من اليهودية وضواحي يافا فى طريقهم إلى أورشليم للاحتفال بالعيد، تعبر عندما كان كل شئ حول الصليب صامتاً، الجميع كانوا مملوءين بالرّعب والخوف. عندما نظروا يسوع مُعلقاً على الصليب، رأوا القسوة التى عُومل بها، وميزوا العلامات الاستثنائية لغضب الرب التي ملأت الطّبيعة، امتلئوا بالرّعب وصاحوا " لو لم يكن هيكل الرب في أورشليم، لكانت المدينة احترقت حتى الأرض لكونها آخذت على نفسها هذه الجريمة المخيفة ", هذه الكلمات التى جاءت من شفاه غرباء, بدوا كأشخاص ذوى شأن كبير, تركت تأثيراً عظيماً على الحاضرين وهمهمة عالية وصياحاً حزيناً قد سمع من كل جانب؛ تجمّع بعض الأشخاص سوية في مجموعات، مطلقين العنان لأحزانهم، ولو أن جزء من الحشد استمرّ يسب ويلعن كل من حوله.
أضطر الفريسيون أن يُظهروا نغمة أكثر تواضعا، لأنهم خافوا من عِصيان مسلَّح‏ بين الناس، لكونهم مدركين جيّداً للإثارة العظيمة الموجودة بين سكان أورشليم. لهذا استشاروا ابن أدار، القائد الروماني، واتفقوا معه أن تُغلق بوّابة المدينة، التي بجوار موضع الصليب، لمنع أى اتصال إضافي، وإنهم يجب أن يرسلوا إلى بيلاطس وهيرودس حوالي خمسمائة رجل ليمنعوا أى فرصة للتمرد، القائد الروماني، في أثناء ذلك كان يفعل كلّ ما فى قدرته ليحافظ على النظام ويمنع الفريسيون من إهانة يسوع، خشية أن يثير ذلك الناس.
بعد الساعة الثالثة بقليل بدأ النور يظهر ثانية، بدأ القمر يبتعد عن قرص الشّمس، بينما أشرقت الشّمس ثانية، ولو أن ظهورها كان خافتاً، لكونها محاطة بسّحب حمراء؛ أصبحت تدريجياً أكثر سطوعا، واختفت النّجوم، لكن السّماء كانت ما زالت كئيبة. استعاد أعداء يسوع روحهم المتغطرسة عندما رأوا النور يرجع؛ وعندئذ صاحوا : " ها هو ينادى إيليا "
كان يسوع يغيب عن الوعي تقريبا؛ لسانه كان جافاً وقال : " أنى عطشان " نظر التلاميذ إليه بأعمق تّعبير عن الحزن، أضاف يسوع " ألم تستطيعوا أن تعطوني قليلاً من الماء ؟ " بهذه الكلمات أعطاهم أن يفهموا بأنّ لا أحد كان سيمنعهم من فعل ذلك خلال الظّلمة. ملئ يوحنا بالنّدم وأجاب: " نحن لم نفكّر أن نفعل هذا يا رب " نطق يسوع ببضع كلمات أكثر، بمعنى : " إن أصحابي ومعارفي قد نسوني أيضاً، ولم يعطوني لأشرب، هذا ليتم المكتوب " هذا الإهمال قد أذاه كثيرا جدا ً" حينئذ عرض التلاميذ مال على الجنود ليأذنوا لهم أن يعطوه قليل من الماء لكنهم رفضوا، لكنهم غمّسوا إسفنجه في الخلّ الممزوج بالمر وكانوا على وشك أن يقدموها ليسوع، عندما آخذها منهم ابن ادار القائد الروماني، الذي تأثر قلبه وغمس إسفنجه فى بعض الخلّ وربطها إلى قصبة، وضع القصبة في نهاية رمح، وقدّمه ليسوع ليشرب. سمعت الرب يقول بضعة أشياء أخرى، لكنى أتذكّر فقط هذه الكلمات : " عندما سيصمت صوتي، ستُفتح أفواه الموتى"
حانت سّاعة يسوع أخيرا؛ كفاح موته قد شرع؛ انتشر العرق على كل أطرافه. وقف يوحنا عند قدم الصليب، ومسح قدمي يسوع بردائه. انحنت المجدلية بتذلّل‏ على الأرض بانسحاق تام وأسى خلف الصّليب. وقفت العذراء المباركة بين يسوع واللّص اليمين، مستندة على سالومة ومريم التى لكلوبا، وعيناها مثبّتتان على وجه ابنها المحتضر. حينئذ قال يسوع : " قد أُكمل " ورفع رأسه وصرخ بصوت عظيم " أبتاه، في يديك أستودع روحي." هذه الكلمات، التي نطقها بنبرة واضحة وعالية، دوّت خلال السّماء والأرض؛ وبعدها أنحني رأسه واسلم الروح.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

لقد رأيت نفسه، بصورة تُشبه نيزك ساطع، تخترق الأرض عند موطئ الصّليب. ركع يوحنا والنّساء القديّسات ساجدين على الأرض. ثبت ابن ادار القائد الروماني عينيه بقوة على وجه يسوع، وقد غُمر بالكلية بكل ما حدث. عندما نطق يسوع كلماته الأخيرة، ارتجفت الأرض وتشققت صخرة الجلجثة، مًشكّلة هوّة عميقة بين صليب يسوع وصليب جيماس.
تردد صوت يسوع خلال كل الكون؛ وقد كسر الصّمت المهيب الذي تخلّل كل الطّبيعة. كل شئ قد تمّ. نفس يسوع تركت جسده: ملأت صرخته الأخيرة كل صدر بالرّعب. قدمت الأرض المشققة الإجلال إلى خالقها: طعن سيف الأسى قلوب أولئك الذين أحبّوه. هذه اللّحظة كانت لّحظة نّعمة لأبن ادار؛ ارتعد حصانه من تحته؛ تأثر قلبه؛ لقد كان قلبه كالصخر الصلب؛ ألقى برمحه بعيداً، قرع صدره وصرخ : " مُبارك يكون الإله العلى، إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ حقا أن هذا الرّجل كان ابن الرب! " أقنعت كلماته عديداً من الجنود، التي تبعوا مثاله، وتحوّلوا أيضاً إلى الإيمان بيسوع ربا وفاديا .
اصبح ابن ادار من تلك اللّحظة إنساناً جديداً؛ مُمجداً الإله الحقيقي، ولم يعد يخدم أعدائه. أعطى حصانه ورمحه إلى ضابط اسمه كاسيوس، الذي، بعد ما خاطب الجنود ببضع كلمات، أمتطي جواده، واخذ على عاتقة السّيطرة على المكان. ترك ابن ادار حينئذ الجلجثة، وذهب إلى وادي جِيحُونَ إلى مغارات في وادي هنوم، حيث اختبأ التّلاميذ، وأعلن لهم عن موت يسوع، وذهب بعد ذلك إلى المدينة، ليلاقى بيلاطس.
ما أن أعلن ابن ادار شهادته على الملأ بإيمانه بألوهية يسوع، حتى تبعه عدد كبير من الجنود، كما فعل أيضا بعض من الموجودين، وكثير من الفريسيون قرعوا صدورهم باكين وعادوا إلى بيوتهم، بينما مزق آخرون ملابسهم وأهالوا التراب على رؤوسهم، وامتلأ الجميع بالرّعب والخوف. نهض يوحنا وأتت بعض من النّساء القدّيسات اللواتي كنّ على مسافة قصيرة إلى العذراء المباركة وأخذوها بعيدا عن الصّليب.
عندما أسلم يسوع، رب الحياة, روحه في يدي أبيه، وسمح للموت أن يملك على جسده، أرتجف هذا الجسد المقدّس وصار شاحباً جداً؛ بدت الجراح الغير معدودة التي تغطت بالدم المتجمد كعلامات داكنة؛ خداه صارا غائرين أكثر، أنفه أكثر تدبّبا، وعيناه اللذان قد حجبا بالدّم، بقيتا شبه مفتوحة. رفع رأسه المرهق، الذي كان ما زال متوّجاً بالأشّواك، للحظة، وبعد ذلك سقط ثانية في معاناة الألم؛ بينما شفاهه الجافّة والممزّقة كانت مُغلقة جزئيا وبدا لسانه دّمويا ومنتفخ. في لحظة الموت فُتحت يديه، التي كانت قد تقلّصت حول المسامير فى وقت من الأوقات، فُتحتا وعادتا إلى حجمها الطّبيعي وكذلك ذراعيه؛ جسده أصبح جثّة، وثقله بالكامل قد أُلقي على قدميه، ركبتاه انحنتا وقدماه التفتتا قليلا على جانب واحد.
ما من كلمات ممكن أن تُعبر عن أسى العذراء المباركة, عيناها منًغلقتان، شاحبة كالموتى؛ عاجزة عن أن تقف, فسقطت على الأرض، لكن النساء أقمنها سريعاً واستندت على يوحنا والمجدلية والآخرون. نظرت أكثر من مرة على ابنها الحبيب, ذلك الابن الذي حبلت به من الروح القدس، إنه لحم من لحمها وعظم من عظامها وقلب من قلبها, على الصليب بين لّصين؛ مخزياً ومصلوباً، مُداناً من قبل من جاء إلى الأرض كي يخلصهم؛ ولعله جيّداً أن تُلقب في تلك اللّحظة بـ " ملكة الشهداء. "
الشّمس ما زالت تبدو خافتة؛ وخلال وقت الزّلزال كان الهواء راكداً وثقيل الوطأة‏، لكن مع الوقت اصبح صافياً ومتجدداً .
عندما مات يسوع كانت حوالي الساعة الثالثة. كان الفريسيون في بادئ الأمر مرتعبين من الزّلزال؛ لكن عندما مرت الصّدمة الأولى استعادوا أنفسهم، بدءوا يلقون الأحجار في الهوّة، وحاولوا أن يقيسوا عمقها بالحبال. اكتشفوا إنهم لا يستطيعوا أن يقيسوا عمق قاعها، اصبحوا مستغرقين في التفكير‏، يستمعون بقلق‏ إلى آهات النّادمين، الذين كانوا ينوحون ويقرعون صدورهم، وبعد ذلك تركوا الجلجثة. آمن عديد من الموجودين حقا، والجزء الأعظم منهم عاد إلى أورشليم مغلّوباً تماما بالخوف.
وُضع الجنود الرومان علي الأبوّاب وفي الأجزاء الرئيسية الأخرى من المدينة، ليمنعوا احتمال التمرد. بقى كاسيوس على الجلجثة مع حوالي خمسين جندياً. وقف رفاق يسوع حول الصّليب، يتأمّلون الرب ويبكون؛ عديد بين النّساء القدّيسات رجعن إلى بيوتهن، وكنّ صامتات ومغلّوبات بالأسى.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

تأمل الرب يسوع
ها صليبي يَرْفعُ الآن. ها هى سّاعةُ افتداء العالمِ! أنا المشهد الذى سخرت منه الجموع ِ ....ِ لكنى أيضا من وقرته وأحبته النفوس. إن هذا الصّليبِ، حتى تلك اللحظة, كان آداه التّعذيبِ حيث يلقى المجرمون عليه حتفهم ، أنه سيصْبَحُ، من الآن فصاعداً، نور وسلام العالمِ.
سَيَجدَ الخطاة مغفرة وحياة في كتبي المقدسةِ. أن دمائي سَتَغْسلُ وتَمْحو آثامهم. النفوس النقية سَتَأتي إِلى جراحي المقدّسةِ كى تُنعش نفسها وكي يتأججون في محبّتي. سَيَأْخذونَ فيها ملجأً وسَيَجْعلونهاَ مسكنهم إلى الأبد.
أبتاه، أَغْفرُ لهم لأنهم لا يَعْرفونَ ما يفعلونَ، إنهم لم يتعَرفوا على من هو حياتهم.... لقَدْ تخلصوا من كل ضراوة ظلمهم فيه. لكنى أناشدك يا أبى! أطلقْ عليهم قوةَ رحمتكِ.
اليوم سَتَكُونُ معي في الفردوس، لأن إيمانكَ برحمةِ مُخلّصك قَدْ مَحا جرائمكَ. أن الرّحمة تَقُودكِ نحو الحياةِ الأبدية .
يا امرأة، هو ذا ابنك! يا أمي، ها هم أخوتي! أحميهم، أَحْبيّهم... إنهم لَيسوا بمفردهم .
وأنتَم، يا من بذلت حياتي من أجلهم، ها أنتم لديكم الآن الأمُ التي تستطيعون أَنْ تُناشدوها من أجل كل احتياجاتكم. لقَدْ وَحّدتُكم جميعاً بأشدِّ الأربطة عندما أعطيتكم أمي .
النفس يحق لها الآن أَنْ تَقُولَ ِلربها " إلهى, إلهى, لماذا تَركتني؟ " في الواقع، بعد أن حققت سر الفداء، الإنسان قد أَصْبَحَ ابن الرب مرة أخرى، صار أخاً ليسوع، وصار وارثاً للحياةِ الأبدية ....
أه يا أبتاه..... أنا عطشانُ لمجدكَ .... وقد حانت السّاعةِ. من الآن فصاعداً، ستتُحققُ كَلِماتي، سَيَعْرفُ العالم أنّك أنت من أرسلتني، وأنك ستكون مُمَجّدُاً!
أنا عطشانُ لمجدكَ، عطشان للنفوس.... وكي أَرْوي هذا العطشِ، سكبت دمي حتى القطرة الأخيرة! لهذا السبب أستطيع أَنْ أقول: قد أُكمل. أن سر الحب العظيم قَدْ أُكمل الآن؛ السر الذى من أجله قد تنازل الرب عن أبنه إِلى العالم كى يُعيدَ الحياة إِلى الإنسان .....لقد أتيت إِلى الأرضِ كى أَعمَلُ مشيئتك، أه يا أبى. إنها قد كمُلت الآن!
بين يديك, أستودع روحي. بهذه الطريقة تستطيع النفوس التي تَتممُّ مشيئتي أَنْ تقول بصدق " الكل قد أُكملُ " يا ربى وإلهي، تَسلمُ روحي....أنى أَضعها في يديكَ المحبوبتين .
لقد قدمت موتي إِلى أبي من أجل النفوس المحتضرةِ، وهم سَيكونُ لهم حياةُ. بصرختي ِ الأخيرة التى أطلقتها من على الصّليبِ، عَانقتُ كل الإنسانيةِ: الماضية والحاضرة والآتية. فورة النشاط القوية التى حررت بها نفسي من الأرضِ، قَدْ تلقيتها من أبى بحبِّ لانهائيِ، واغتبط كل السمائيين بها لأن إنسانيتي كَانَت داخلة في المجدِ. فى نفس اللّحظةِ التي أسلمتُ فيها روحي، قَابلتني حشود من النفوس : أولئك الذين رَغبوني من قرونَ مضت وأولئك الذينَ رَغبوني قبل بضعة شهور أو من أيام مضت، لكنهم جميعاً رَغبوني بشدة. هذه البهجةِ كَانتْ كافيةَ لتعوض عن كل المصاعبِ التى عَانيتْها.
يَجِبُ أَنْ تَعْرفَوا أنّ تذكارِ ذلك الاجتماع البهيجِ، حملني على أن أقَرّر أَنْ أُساعدَ المحتضرين وكثيراً من المرات صنعت هذا جهاراً, أنى أَعطيهم الخلاص لأُكرم أولئك الذين استقبلوني بمودّة في السّماءِ. لذا صلّوا من أجل هؤلاء المحتضرين، لأني اَحْبّهم كثيراً. فى كل مرة ستطلقون الصرخة الأخيرةَ التي قدمتها إِلى الأبِ، ستكونوا مُسْموَعُين لأن نفوساً كثيرة ستُعطي لي من خلال تلك الصرخة،
لقد كانت لحظة مبهجةِ عندما تجمّعتْ سوياً كل القوات السّماويةِ باغتباط مَنتظرةَ موتي، لقَدْ تقدّمَت نحوى. لكن من بين كل النفوس التي أحاطتني، كانت توجد نفس قَدْ غُمِرَت بوضوح، غُمرَت كثيراً، نفس كانت تتَلألأَ بالفرح، بالحب ... إنه يوسف الذى كان أكثر من أي شخص آخر، يفَهمَ المجدَ الذى اكتسبتُه بعد هذه المعاركِ القاسية. لقد قادَ كل النفوس التي كَانَت تَنتظرني؛ لقَدْ مُنِحَ أنْ يَكُونَ سفيري الأولَ فى عالم الانتظار. الملائكة برتبها، قدموا لى الإكرام بحيث أنّ بشريتي، المتألقة بالفعل، قَدْ أحيطت بعدد غير محدود مِن القديسين الذين وقروني ومَجّدوني.
أبنائي، لا توجد هناك صلبانُ مجيدةُ على الأرضِ؛ أنها كلها مُغلفة بالغموض وبالظّلمةِ وبالغضبِ. بالغموض لأنكم لا تَفْهمونها؛ بالظّلمةِ لأنها تُربك العقلَ؛ وبالغضبِ لأنها تَضْربُ بالضبط في المواضع التى لا تريدوا أن تضرب فيها.
لا تَنُوحواُ؛ لا تتوانوا. أنى أقول لكم أننى لم أحمل فقط الصّليبَ الخشبيَ الذي قادني نحو المجد، بل قبل كل شيء، حملت ذلك الصليب المخفيِ لكنه دائمَ الذي قَدْ تكون من صلبانِ آثامكمَ. نعم، ومن صلبان آلامكمَ. أن كل ما تَعانون منه كَانَ موضوع أحُزاني، لأنى لم أتألم فقط كى أَهبكم الفداء، بل أيضا من أجل ما ينبغي عليكم أَنْ تَعانوا منه اليوم. انظرْوا إلى الحبِّ الذي وَحّدني بكم؛ أن فيه تأكيداً لمشيئتي الإلهية فى توَحيّدْ نفوسكم بي، مُلاحظين كيف أنى عملت بمرارةِ بلا حدودِ.
لقَدْ اتَخذتُ قطعة من الخشب كرمزِ، صليب. لقَدْ حَملته بحبِّ عظيمِ، من أجل خير الجميع. لقَدْ عَانيتُ مأساة حقيقية لكي يستطيع كل شخصَ أَنْ يبتهج معي. لكن اليوم، كم نفساً تؤمن بمن أَحْبّكمَ حقاً ومازال يَحْبّكمَ؟ تأملوني وأنا بصورةِ المسيحِ الذي بْكى وَنْزفُ. هناك وبهذه الطريقة يستطيع العالم أن يتناولني.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

الفصل الحادي والخمسون
الزّلزال
ظهور الموتى في أورشليم

لقد رأيت نفس يسوع، في لحظة موته، تظهر على شكل شبه نيزك ساطع يخترق الأرض عند موطئ الصّليب وترافقها الملائكة، من بين الذين ميّزتهم كان الملاك غبريال. رأيت هذه الملائكة تلقي بعدد من الأرواح الشّريّرة في هاوية عظيمة، وسمعت يسوع يأمر بعض النفوس التى في عالم النسيان أن تدخل الأجساد التي سكنوها ذات مرة، لكى يملأ منظرها الخطاة بمخافة ذات فائدة، وأن تؤدى هذه النفوس شهادة مهيبة عن لاهوته.
ألحق الزّلزال الذي انتج الهوّة العميقة في الجلجثة أضراراً عظيمة فى كثير من أجزاء إسرائيل، لكن تأثيره كان أعظم في أورشليم. كان سكانها فى بداية اطمئنانهم بعودة ظهور الشمس، عندما أرعبتهم اهتزازات الزّلزال والضوضاء والفزع الرهيب الذى سببه انهيار البيوت والجدران من كل جانب، وازداد فزعهم بالظّهور المفاجئ لأشخاص من بين الأموات، يواجهون الفاجرين المرتجفين الذين كانوا يهربون كي يخفوا أنفسهم، ويخاطبونهم بلهجة حادّة وبتّأنيب.
نصح رؤساء الكهنة الشعب أن يواصلوا ذبح حمل الفصح الذى توقّفت بسبب الظّلمة الغير متوقّعة، وكانوا مبتهجين بالنّصر‏ بعودة ضياء الشمس، عندما اهتزت الأرض فجأة من تحتهم، انهارت البنايات المجاورة، وأنشق حجاب الهيكل لنصفين من أعلى إلى أسفل. في بادئ لأمر, الرّعب جعل الذين فى الخارج صّامتين، لكن بعد فترة انفجروا في الصراخ والبكاء.
كانت الحشود التى داخل الهيكل عظيمة، لكن الطقوس كانت منفذة بمهابة من قبل الكهنة. جاءت أولاً تقدمة الحمل، ثم رُش دمه، متبوعاً بترتيل الأناشيد الدينية وهتاف الأبواق. كان الكهنة يسعون إلى الاستمرار فى الذبائح، عندما نشاء فجأة توقف مروّع غير متوقّع؛ تمثّل الرّعب والدّهشة على كل وجه؛ الكل كان مرتبكاً؛ لا صوت قد سُمع؛ توقف الذبح ؛ كان هناك اندفاع عامّ نحو أبوّاب الهيكل؛ كانت الجموع تسعى للهرب سريعاً بقدر ما تستطيع. أزداد الفزع والخوف؛ بظهور أشخاص سبق أن كانوا فى عداد الأموات ودفنوا منذ عدة سنوات في وسط الجموع! نظر هؤلاء الأشخاص إليهم بصرامة، ووبّخوهم بشدة على الجريمة التى ارتكبوها فى ذلك اليوم، بجلب الموت للإنسان البار وصياحهم بأن دمه على رؤوسهم. حتى في وسط هذا الارتباك، كانت تُبذل بعض المحاولات من قبل الكهنة للمحافظة على النظام؛ حاولوا منع من كانوا في الجزء الدّاخلي من الهيكل من الاندفاع للأمام، وتقدموا وسط الحشود التى كانت تتقدمهم، ونزلوا الدرجات التى تقود إلى خارج الهيكل: حتى إنهم استمروا فى الذبائح في بعض الأجزاء، وسعوا إلى أن يهدّئوا من رعب الناس.

https://kabylechretien.alafdal.net

amsellek-iw

amsellek-iw
المدير
المدير

قيافا وحاشيته لم يفقدوا صوابهم، وبالهدوء الذى اكتسبوه بقساوة قلوبهم، هدئوا الاضطراب إلي درجة عظيمة، وبعد ذلك فعلوا ما بوسعهم ليمنعوا الشعب من النّظر إلى هذه الأحداث الهائلة كشهادة عن براءة يسوع. أدت الحامية الرّومانية التى تخص قلعة أنطونيا جهوداً عظيمة للمحافظة على النظام؛ ولذلك، اضطراب الاحتفال بالعيد لم يتلوه شغب، ولو أن كل قلب أمتلئ بالخوف والقلق، القلق الذي سعى الفريسيون, وفي بعض الحالات بنجاح, أن يهدّئوه.
أنى أتذكّر بضع أحداث أخرى: بالدرجة الأولى، العمودان اللذان علي مدخل قدّس الأقداس، واللذان يوجد بينهما حجاب فخم، لقد تأرجحا حتى أساساتهما؛ العمود الذى على الجانب الأيسر سقط فى اتجاه الجنوب، والذي على الجانب الأيمن سقط في اتجاه الشمال، وهكذا أنشق حجاب الهيكل لنصفين من أعلى إلى أسفل بصوت رهيب، وأنكشف قدّس الأقداس إلى نّظر العامّة. أنحلّت حجارة كبيرة وسقطت من الحائط الذى في مدخل القدّس، بالقرب من الموضع الذى كان يسجد فيه سمعان الشيخ، وأنكسر القوس. ارتفعت الأرض لأعلى، وسقطت عديد من الأعمدة الأخرى في أجزاء أخرى من الهيكل.
ظهر الكاهن الأكبر زكريا، الذي ذُبح بين الهيكل والمذبح، لقد شوهد في القدّس ونطق بتهديدات رهيبة، تكلّم عن موت زكريا الثّاني , وعن موت يوحنا المعمدان، وأيضا عن الموت العنيف للأنبياء الآخرين. أبني الكاهن الأكبر سمعان, المُلقب بالبار ، ظهرا في الجزء الذى يشغله فى العادة مُعلمي الناموس؛ تكلّما أيضا بتّعبيرات رّائعة عن موت الأنبياء، عن ذبائح العهد القديم التي على وشك أن تتوقّف الآن، وقد حثّوا كل الموجودين على أن يؤمنوا بالرب يسوع كرب وفادي وأن يعتنقوا التعاليم التي أوصى بها. ظهر أيضاً النبي أرميا؛ ووقف قرب المذبح، وصرّح، بنبرة تهديد، أن الذبائح القديمة قد أتت لنهايتها، وأن ذبيحة جديدة قد بدأت.
بنما كانت تحدث ظّهورات أخرى فى الأجزاء التى لا يُسمح لأحد بالدخول فيها إلا للكهنة، كان قيافا وبضع من الآخرون فقط من يميزونها، وقد سعوا بأقصى ما يستطيعون، أمّا أن ينكروا حقيقتها، أو أن يخفونها. هذه الأعاجيب قد تليت بأعاجيب أخرى أكثر روعة. انفتحت أبواب القدّس من تلقاء نفسها، وسُمع صوت ينطق بهذه الكلمات : " فلنترك هذا الموضع " ورأيت كل ملائكة الرب تترك الهيكل فى الحال. الاثنين والثّلاثين فريسي الذين ذهبوا إلى الجلجثة قبل وقت قصير من موت يسوع آمنوا جميعهم تقريبا وهم عند الصّليب. رجعوا إلى الهيكل في وسط الفوضى، وكانوا مصعوقين تماما من كل ما حدث هناك. تكلّموا بصرامة إلى حنّان وقيافا، وتركوا الهيكل. حنان الذى كان دوماً من أكثر أعداء يسوع كراهية، وترأّس كل إجراء أُتخذ ضده؛ كان للأحداث الخارقة التي حدثت تأثيراً عظيماً على أعصابه حتى أنه لم يكن يعرف أين يخفي نفسه. قيافا كان منتبّه جداً وممتلئ بالقلق، لكن كبريائه كان عظيماً جدا حتى أنه أخفى مشاعره بأقصى ما يستطيع، وسعى أن يطمئن حنّان. نجح لبعض الوقت؛ لكن الظّهور المفاجئ للأشخاص الذين سبق أن ماتوا منذ عديد من السنوات أفسد تأثير كلماته، وصار حنّان مرة أخرى فريسة للرّعب والخوف والندم.
بينما كانت هذه الأشياء تحدث في الهيكل، لم تكن الفوضى والرّعب في أورشليم أقل. أشخاص أمواتاً كانوا يتجولون فيها، وعديد من الجدران والبنايات قد اهتزّت بالزّلزال وانهارت أجزاء منها. خَوْف بيلاطس مِن المجهول‏ أفزعه؛ وصمت تماما من الرّعب؛ اهتزّ قصره إلى أساساته ومادت الأرض تحت قدميه. ركض بتهور من غرفة إلى غرفة، والموتى وقفوا بشكل ثابت أمامه، يوبخونه عن الحكم الجائر الذى أصدره ضد يسوع. لقد ظن إنهم آلهة الجليلي، والتجأ إلى غرفة داخلية، حيث قدم بخور ونذر نذور لأصنامه ملتمساً معونتهم. هيرودس كان مضطرباً هو أيضاً؛ لكنه أغلق قصره على نفسه، كي لا يبصره أحد .

https://kabylechretien.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 4 من اصل 6]

انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى